“الإسلاميون” يعيدون هندسة المشهد .. و”البرهان” غارق في العزلة والتناقضات

119
الاسلاميين والبرهان

تقرير – بلو نيوز الإخبارية

في قلب لحظة سودانية متفجرة، يغوص البرهان في دوامة التناقضات الداخلية والضغوط الإقليمية، بينما يتداعى معسكر بورتسودان تحت وطأة التفكك والاختراق. في المقابل، يتحرك الإسلاميون بثقة لافتة، يرسمون خرائط نفوذ جديدة، ويتقدّمون بخطى محسوبة لإعادة صياغة معادلة الحكم في السودان، مستثمرين هشاشة السلطة القائمة وفراغ رؤيتها السياسية.

الإسلاميون: من الظل إلى قلب الفعل السياسي

ما يجري ليس مجرد عودة تقليدية للإسلاميين إلى المشهد، بل خطة متكاملة تُعيد رسم موقعهم كقوة فاعلة تتجاوز مؤسسات الدولة الرسمية. فقد أحسنوا قراءة اللحظة السودانية، واستثمروا التوازنات الإقليمية والدولية ليعيدوا تقديم أنفسهم، ليس كطرف ثانوي، بل كبديل سياسي كامل، يملك أدواته وخطابه وأذرعه الميدانية.

في مدني والحلفايا، وبعد السيطرة عليهما، وثّقت محامو الطوارئ وتنسيقيات مدنية انتهاكات مروّعة بحق المدنيين، من عمليات تصفية جسدية واعتقالات تعسفية، بعضها على أسس مناطقية وعرقية. هذه الجرائم لم تكن مجرد تجاوزات عابرة، بل رسائل رمزية تُظهر امتلاك الإسلاميين لأذرع تتحرك بمعزل عن الرقابة والمساءلة، مما ضيّق الخناق على البرهان وأحرجه أمام المجتمع الدولي، خصوصًا بعد فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على السودان.

تكتيك محسوب لإحراج البرهان إقليميًا

أحد أكثر المشاهد دلالة كان استغلال ملف السودانيين العائدين من مصر، الذين تعرضوا للاحتيال في توقيت تزامن مع وجود قائد كتيبة البراء بن مالك، المعروف بـ“المصباح”، في القاهرة. لم يكن ذلك مجرد صدفة، بل خطوة محسوبة أرادت إحراج البرهان قبل الاجتماع الرباعي المرتقب بين الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، والذي يُتوقع أن يحدد مسار التعاطي مع الأزمة السودانية.

 

ظهور المصباح في تسجيل مصوّر يعد السودانيين بإيجاد حلول لمشكلتهم، لم يكن تعاطفًا إنسانيًا، بل رسالة سياسية تُظهر أن الإسلاميين هم من يملكون الحلول الميدانية، وليس حكومة بورتسودان التي اكتفت بمحاولات لاحقة لتدارك الموقف عبر السفارة ومنظومة الصناعات الدفاعية. لكن اللحظة الرمزية كانت قد حُسمت لصالح الإسلاميين.

تحالفات إقليمية تربك الحسابات

ولم يتوقف تكتيك الإسلاميين عند الداخل، بل امتد إلى تحركات خارجية لافتة، كان أبرزها زيارة وفد التيار الإسلامي العريض لسفارة إيران في الخرطوم. الزيارة، التي جاءت في توقيت إقليمي حساس وسط تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، كانت إعلانًا سياسيًا واضحًا، ورسالة مزدوجة لإحراج البرهان أمام حلفائه الإقليميين الذين يسعون لفك ارتباط المؤسسة العسكرية عن الإسلاميين. هذه الخطوة عكست قدرة التيار الإسلامي على اللعب على حبال الصراع الإقليمي، وتثبيت موقع تفاوضي مرتفع حتى قبل أي تسوية سياسية محتملة.

البرهان .. ردود فعل متفرقة بلا رؤية

في مواجهة هذا المشهد، حاول البرهان تعديل ميزان القوى داخل معسكره عبر تقديم تنازلات لمناوي وجبريل، لكنه بدلاً من تحصين موقعه، فتح الباب لمزيد من التصدعات الداخلية. الجيش بدا في حالة ارتباك بين قيادات تحمل ولاءً مؤسسيًا وأخرى تلتقي مع الإسلاميين في المشروع والرؤية، مما زاد من هشاشة المعسكر الحاكم.

بينما يتحرك الإسلاميون وفق خطة مدروسة بأهداف مرحلية واستراتيجية، يكتفي البرهان بردود فعل موسمية، تفتقد للتماسك والرؤية الشاملة. هذا الفارق في منهجية الفعل السياسي منح الإسلاميين تفوقًا تكتيكيًا واضحًا، وجعلهم أكثر قدرة على استثمار الأزمات وصناعة المبادرات.

احتكار المستقبل وإعادة تعريف السودان

الإسلاميون لا يسعون فقط للبقاء، بل لاحتكار المستقبل، وإعادة تعريف شكل الدولة السودانية المقبلة. هم لا يعتمدون على خطاب ديني تقليدي فحسب، بل على اختراقات فعلية في المنظومة العسكرية والاقتصادية، وعلى شبكات تأثير خارجي – كما في علاقتهم بإيران – تجعلهم رقماً صعباً في أي معادلة قادمة.

في المقابل، يظهر البرهان محاطًا بالتناقضات، عاجزًا عن فك ارتباطه بالإسلاميين أو تطويعهم، بينما الحلفاء الإقليميون يعيدون تقييم مواقفهم بحذر، والمشهد السوداني يتجه أكثر نحو صراع نفوذ لا يبحث عن حل، بل عن من يملك السلطة في لحظة التسوية المقبلة.

لحظة مفصلية ترسم مستقبل السودان

ما نشهده اليوم ليس مجرد إعادة تموضع للإسلاميين، بل مشروع متكامل لإعادة هندسة الدولة السودانية، مستفيدين من ضعف البرهان وانهيار معسكر بورتسودان، ومن توازنات إقليمية ودولية تمنحهم مساحة مناورة واسعة. في هذه اللحظة، لا يعيد الإسلاميون إنتاج نفوذهم فقط، بل يفرضون أنفسهم كمهندسي المستقبل السوداني، بينما البرهان يظل غارقًا في عزلته، بلا رؤية ولا أدوات، تحت وطأة ضغط داخلي وإقليمي يزداد تعقيدًا يوماً بعد يوم.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com