الدكتور الفاتح جمعه حمدي: الطريق الي المستقبل عبر بوابة مركز تقني لتطوير درونات محلية الصنع

229
الفاتح جمعة

الدكتور الفاتح جمعه حمدي – غرب كردفان الدبب

في قرية صغيرة بغرب كردفان تقف زينب وهي أم لثلاثة أطفال كل يوم مع هطول الامطار الغزيرة حيث تنعدم سبل المواصلات تنتظر وصول طبيب أو دواء لعلاج ابنها المصاب بالملاريا. المسافة بين قريتها وأقرب مركز صحي تتجاوز 100 كيلومتر وهي رحلة شاقة وغير مضمونة النتائج. لكن ماذا لو كانت هناك طريقة لإيصال الدواء إلى زينب وأسرتها في غضون دقائق؟.ان هذه الفكرة التخيلية المجردة والتي تتشابه مع الواقع بشكل كبير، هي إحدى الاحتمالات التي يمكن تحقيقها عبر استخدام الطائرات بدون طيار (الدرونات).

في عصر التكنولوجيا المتقدمة، أصبحت هذه التقنية واحدة من أبرز الأدوات التي تعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع. ومن الزراعة إلى الصحة، ومن الأمن إلى التجارة الإلكترونية، تقدم الدرونات حلولاً مبتكرة للتحديات المعاصرة. وفي ظل الموارد الشاسعة والتحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه السودان، يأتي مشروع إنشاء مركز وطني لتدريب وتأهيل المهندسين السودانيين على تصميم وتطوير وإنتاج الدرونات كفرصة استراتيجية لبناء مستقبل أفضل.

أكبر مكسب لمثل هذا المركز هو امتلاك المعرفة داخلياً فعندما نعتمد على كوادرنا الوطنية، نقلل من التبعية التكنولوجية ونمنح بلدنا فرصة للاستقلال التقني. لكن لماذا يعتبر هذا المشروع بهذه الأهمية؟ وفقًا لتقارير البنك الدولي (2022)، فإن الاستثمار في مراكز الابتكار المحلية يمكن أن يزيد من إنتاجية الدول النامية بنسبة تصل إلى 15% خلال عقد واحد. وهذا ليس مجرد رقم، بل يعني فرص عمل جديدة، وحلول عملية للمشاكل اليومية، ومستقبل أفضل للأجيال القادمة.

ارقام عالمية وفرصة ذهبية:

بحسب شركة Allied Market Research من المتوقع أن يصل حجم سوق الدرونات العالمي إلى أكثر من 54 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 13%. وفي أفريقيا، تضاعف الطلب على الدرونات في القطاع الزراعي ثلاث مرات بين عامي 2018 و2023، خاصة في دول مثل رواندا وغانا. هذه الأرقام تضع السودان أمام فرصة ذهبية للحاق بركب الدول الأخرى ومن ثم لتصدير خبراته مستقبلاً إذا ما تم الاستثمار الجاد في الكوادر المحلية.

تطبيقات لا تُعد ولا تُحصى:

وفقًا لدراسة أجرتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ( FAO 2021)، يمكن أن يؤدي استخدام الدرونات في مراقبة المحاصيل إلى تقليل الفاقد الزراعي بنسبة تصل إلى 25%. وفي مجال الصحة، أثبتت شركة Zipline الرواندية قدرة الدرونات على إيصال الأدوية واللقاحات إلى المناطق النائية في وقت قياسي، مما أنقذ آلاف الأرواح.

بالنسبة للسودان، يمكن لهذه التقنية أن تكون حلاً عملياً في:

  1. الزراعة: مراقبة الأراضي الزراعية المترامية الأطراف. على سبيل المثال يمكن للفلاح في اي منطقة أن يستخدم الدرونات في نثر البزور ورش المخصبات ومتابعة حالة المحاصيل ومكافحة الآفات بشكل أكثر كفاءة.
  2. الصحة: إيصال اللقاحات والأدوية إلى المناطق النائية حيث البنية التحتية ضعيفة. زينب وأسرتها لن يعودوا بحاجة إلى الانتظار لأيام طويلة للحصول على الرعاية الصحية.
  3. التوصيل التجاري: دعم خدمات التجارة الإلكترونية الناشئة. يمكن للشباب السودانيين الذين يبدأون مشاريعهم التجارية أن يستفيدوا من الدرونات لتوصيل المنتجات بسرعة وسهولة.

مراقبة الماشية: وهو قطاع يمثل أكثر من 60% من الصادرات غير البترولية للسودان. يمكن لمربي الماشية في اقليم كردفور استخدام الدرونات لمراقبة قطعانهم وتوفير الحماية لها.

الصيانة والدعم الفني:

لا يمكن لأي منظومة للطائرات بدون طيار أن تستمر دون قاعدة صيانة قوية فهي بمثابة العمود الفقري للنجاح. إذا اعتمدنا على الإصلاح الخارجي فسنفقد الاستقلالية ونزيد التكاليف. المركز المقترح يمكن أن يكون بمثابة “مستشفى تقني” للدرونات. يوفر الصيانة والإصلاحات اللازمة، مما يعزز الاستقلالية ويقلل التكاليف. هذا يعني أن شبابنا سيكونون قادرين على تشغيل وإصلاح هذه المنظومات فائقة التقنية بأنفسهم، مما يخلق فرص عمل جديدة ويعزز الاعتماد على الذات.

الطريق إلى المستقبل:

هذا المركز يمثل مشروع تقني قومي يحمل رؤية استراتيجية لبناء جيل جديد من المهندسين الوطنين القادرين على المنافسة عالمياً. وفقًا لبيانات اليونسكو (2021)، فإن كل دولار يُستثمر في البحث والتطوير يحقق عائداً اقتصادياً يتراوح بين *3 و 5 دولارات*. نحن نتحدث عن مستقبل حقيقي لأبنائنا لذلك هذا المشروع يمكن أن يكون نقطة تحول في حياة شبابنا حيث يمكنهم أن يصبحوا روادًا في مجال الحاضر والمستقبل علي حد سواء.

نحن من نصنع مستقبلنا:  

في عالم يتسارع فيه الابتكار يصبح من الضروري أن تستثمر الدول النامية في التكنولوجيا الحديثة. مشروع إنشاء مركز وطني لتأهيل المهندسين السودانيين في مجال الدرونات هو خطوة جريئة نحو تعزيز السيادة التكنولوجية وتحقيق التنمية المستدامة. وإذا تم تنفيذه بالشكل الصحيح، يمكن لهذا المشروع أن يضع بلدنا على خارطة الابتكار العالمية. نحن نؤمن بأن السودان لديه القدرة على تحقيق المعجزات، كل ما نحتاجه هو الإرادة والعمل الجاد.

مصادر مهمة:

  1. Allied Market Research (2022): UAV Drone Market Report.
  2. FAO (2021): The Use of Drones in Agriculture.
  3. World Bank (2022): Innovation and Technology in Developing Economies.
  4. UNESCO Science Report (2021).

 

 

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com