اليسار والسلطة .. شراكة مؤقته أم بداية تمكين؟

136
كامل والبرهان

متابعات – بلو نيوز الاخبارية

جاء التشكيل الوزاري الجديد لحكومة الأمر الواقع كمؤشر واضح على اتجاهات السلطة وموازين القوى الجديدة. اللافت في هذا التشكيل كان الحضور المفاجئ للتيار الشيوعي واليساري، مقابل تراجع ملحوظ لتحالف القوى المشتركة المتمثلة في الحركات المسلحة، وتغييب جزئي للتيار الإسلامي الذي ظل لعقود خصما سياسيا أساسيا في الدولة السودانية.

هذا الصعود المفاجئ لليسار لا يمكن قراءته فقط كحالة توزيع مناصب أو ملء فراغ إداري، بل هو نتاج توازنات استراتيجية، وانعكاس لتراجع بدائل القوى الأخرى. فاليسار السوداني، ورغم محدودية قاعدته الشعبية، يمتاز بتقاليد تنظيمية راسخة، وخبرة طويلة في العمل السياسي. كما يمتلك خطابا قوميا واضحا، يطرح نفسه كبديل مدني في زمن سادت فيه النزعات الجهوية والقبلية. هذا الوضوح، حتى وإن لم يُجمع عليه السودانيون، منحه تفوق رمزي على بقية القوى التي لم تستطع تطوير مشاريع سياسية مقنعة، وعلى رأسها القوى المسلحة. الشيوعيون في السودان يمتلكون تقاليد تنظيمية صارمة، وخبرة طويلة في العمل السري والعلني، وقدرتهم على الصمود رغم القمع لعقود، منحهم تفوق على مستوى البناء الداخلي والفاعلية السياسية، خاصة في اللحظات التي تتطلب اصطفاف أيديولوجي واضح.

ورغم كل الانتقادات التي توجه لخطاب الحزب الشيوعي، إلا أنه من التيارات القليلة التي ما زالت تحتفظ بمشروع وطني يساري متماسك، بعكس أغلب القوى السياسية التي انساقت خلف الخطابات الجهوية أو الطموحات السلطوية، وايضا استطاع أن يستفيد من ضعف المنافس التقليدي(الإسلاميين) لان التيار الإسلامي خسر حضوره الجماهيري والتنظيمي بعد سقوط نظام الإنقاذ، ولم يستطع التكيف مع مرحلة ما بعد الثورة. كما أن خطابه بات منفرا للمجتمع الدولي والقوى المدنية، مما أضعف قدرته على تقديم نفسه كشريك ممكن في أي ترتيبات انتقالية.

وربما ان حكومة الأمر الواقع لا تتحرك من فراغ، فتمكين الشيوعيين في بعض الوزارات قد يكون جزء من تكتيك مرحلي لخلق توازنات داخلية تضعف خصومها الأقوى منها مرحليا وترضي في الوقت نفسه بعض القوى الثورية التي تحظى بدعم دولي .

تراجع الإسلاميين في هذا السياق لم يكن مفاجئ
فقد خرجوا من تجربة طويلة ومُنهِكة في السلطة، أفرغتهم من مشروعهم الأخلاقي والسياسي، ولم يتمكنوا من تجديد أدواتهم أو خطابهم ليتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة. كما أنهم أصبحوا مرفوضين شعبيا، ومحل ارتياب دولي، وهو ما جعلهم خارج أي معادلة سياسية حقيقية،

فارتباطهم بالعهد السابق جعلهم في موضع المتهم الدائم، ولم يتمكنوا من تقديم خطاب توبة سياسي أو مراجعات جدية يمكن أن تعيدهم إلى المشهد
وأن معظم الحركات الإسلامية فشلت في إنتاج نخب سياسية جديدة أو تطوير خطابها بما يتناسب مع السياق الجديد، واعتمدت على أساليب الحشد القديمة التي فقدت تأثيرها. غير هذا المجتمع الدولي لا يرى في التيارات الإسلامية شركاء موثوقين، خاصة بعد تجارب الربيع العربي، وهذا جعل من تواجدهم في أي حكومة انتقالية تهديد لمشروعية السلطة أمام المانحين والداعمين الدوليين.

أما القوى المشتركة، التي ظنت أن حملها للسلاح ومشاركتها في مسارات الحرب تمنحها امتيازا سياسيا تلقائيا، فقد وجدت نفسها تتراجع بسرعة في لحظة الحقيقة. ورغم أنها دخلت في مرحلة ما بعد الثورة بشهية مفتوحة للسلطة، إلا أن افتقارها لمشروع سياسي مدني جامع جعلها غير قادرة على التماسك. بقي خطابها رهين للمناطقية والمظلومية القبلية، دون تقديم أي بدائل وطنية قابلة للحياة. وبدل أن تطور أدوات العمل السياسي، ظلت أسيرة منطق السلاح، وعاجزة عن بناء حواضن شعبية أو تنظيمات مدنية تدعم مشاركتها في الحكم. وعندما حانت لحظة تشكيل الحكومة، ظهرت الصراعات داخل هذه القوى حول المناصب بشكل فاضح، وكشفت عن طموحات سلطوية لا تستند إلى أي قاعدة جماهيرية أو فكرية.

ما زاد من هشاشة هذه القوى هو تورط بعض مكوناتها في اشتباكات عسكرية ، غير تراجعها العسكري في الميدان ادي الي أضعاف صورتها الأخلاقية والسياسية. ولم تنجح حتى في خلق خطاب مشترك يمكنه أن ينافس التيارات الأخرى، فظهرت كجماعات مشتتة، تختلف أكثر مما تتفق، وتخسر تدريجيا ما تبقى لها من شرعية نضالية.

في هذا السياق، بدا التيار الشيوعي أكثر قدرة على تقديم نفسه كشريك مناسب لحكومة الأمر الواقع، خاصة من منظور دولي. فالحكومة التي تسعى لاكتساب لتبييض وجهها خارجيا، وجذب الدعم الدولي، ترى في وجود يسار علماني واجهة تقدمية مقبولة تساعد في تلطيف صورتها بعد الحرب. كما أن اليسار لا يشكل تهديد عسكري للسلطة، ولا يملك طموح ميداني يمكن أن يزعزع المعادلة القائمة، ما يجعله شريك مثالي في لحظة سياسية حساسة. كما يخدم صعود اليسار هدف آخر للسلطة، يتمثل في تفكيك ما تبقى من تحالفات قوى الثورة والتحالفات القبلية والمناطقية، وشق الصف المدني من داخله، عبر تمكين تيارات معينة وإقصاء أخرى.

رغم هذا الصعود، فإن التيار الشيوعي نفسه يواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية قاعدته الجماهيرية، وتناقض خطابه الراديكالي مع طبيعة السلطة التي تحكم الآن، فضلا عن إمكانية استخدامه كواجهة فقط، ثم التخلص منه لاحقا إذا تغيرت الموازين.
هذا الوضع يظهر في كل مرة عمق الأزمة الوطنية وغياب المشروع السياسي الجامع وفشل معظم القوى في تجاوز منطق الغنيمة إلى منطق الدولة.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com