تقرير: زيورخ تكشف تحركات جديدة لإعادة تشكيل وساطة السلام في السودان
وكالات – بلو نيوز الإخبارية
في خطوة وصفها مراقبون بأنها إشارة جادة لتحريك ملف السلام السوداني، انعقد اجتماع سرّي في مدينة زيورخ السويسرية يوم 11 أغسطس، جمع بين قائد القوات المسلحة السودانية الفريق أول عبد الفتاح البرهان ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا، مسعد بولص. الاجتماع، الذي استمر ثلاث ساعات كاملة، جرى في سرية تامة، ما يعكس حساسية الموقف السياسي والإقليمي المرتبط بأزمة السودان المستمرة منذ أبريل 2023.
وتشير المصادر إلى أن اللقاء تم بتنسيق قطري كامل، حيث لعبت الدوحة دورًا محورياً في ترتيب حضور البرهان، وتوفير طائرة خاصة للسفر، وضمان سرية الاجتماع، في خطوة تعكس نفوذها الدبلوماسي وقدرتها على التواصل مع جميع الأطراف، بما في ذلك القادة العسكريون والإسلاميون.
وفي اليوم التالي، تحرك نائب رئيس دولة الإمارات، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، إلى زيورخ للقاء بولص، في مؤشر على اهتمام أبوظبي المباشر بمسار المفاوضات، خاصة وأنها تُعد الداعم الخارجي الأساسي لقائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي”، الذي يسعى للسيطرة على مدينة الفاشر في شمال دارفور، وسط تكلفة إنسانية عالية.
فشل المبادرات السابقة وتعقيد المشهد
يأتي هذا التحرك بعد فشل عدة مبادرات دولية كان أبرزها اجتماع يونيو الذي جمع سفراء الولايات المتحدة، الإمارات، مصر، والسعودية، وكذلك مؤتمر لندن في أبريل الماضي، حيث انتهت جميعها إلى طريق مسدود بسبب الخلاف على البنود النهائية والتباين الجوهري في مواقف الأطراف الإقليمية.
مجلة “أفريكا كونفيدينشيال” كشفت أن الدبلوماسية الغربية بدت عاجزة عن إحداث اختراق ملموس، خصوصًا بعد مغادرة المبعوث الأمريكي النشط توم بيرييلو من منصبه، وتراجع اهتمام واشنطن بسبب انشغالها بملفات الكونغو ورواندا المتعلقة بعقود تبادل المعادن مقابل الأمن.
إعادة رسم خريطة الوساطة
يبدو أن مسعد بولص يسعى اليوم إلى إعادة رسم خريطة الوساطة الدولية في السودان، بالاعتماد على قاعدة تجاهل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في المفاوضات العسكرية الحساسة، مع التركيز على تحديد الشخصيات المدنية التي يمكن التعامل معها. ويأتي هذا التحرك في ظل تحديات ميدانية كبيرة، حيث لا يمكن إيصال المساعدات الإنسانية دون التفاوض مع الميليشيات التابعة لحميدتي أو البرهان، الذين يستخدمون هذه السيطرة كورقة ضغط في المفاوضات.
وبحسب التقرير، ركز الاجتماع في زيورخ على فتح ممرات إنسانية وإنهاء الحرب، وسط إشارات إلى أن الدوحة ستستمر في لعب دور الوسيط، تمامًا كما فعلت في ملفات أفغانستان وغزة وسوريا والكونغو ورواندا.
التباينات الإقليمية وأجندات القوى
تظهر قراءة دقيقة للتقارير أن التحالفات الإقليمية معقدة ومتضاربة:
- مصر تصر على أن القوات المسلحة السودانية وحكومتها الجديدة يجب أن تقود المرحلة الانتقالية، مستفيدة من علاقات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالفريق البرهان والتشابك الاستراتيجي والعسكري بين البلدين.
- الإمارات تعارض أي دور مباشر للجيش أو قوات الدعم السريع في المرحلة الانتقالية، رغم أنها الممول الرئيسي لقوات حميدتي، وهو ما أفضى عمليًا إلى تقسيم البلاد.
- الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب، عبر بولص، تتبنى سياسة تهميش الفصائل العسكرية والإسلاميين، مع دعم جزئي من بعض المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، فيما تعارض قطر هذا التوجه لاعتبارات عملية ودبلوماسية.
إضافة إلى ذلك، يمثل سد النهضة الإثيوبي ضغطًا إضافيًا على القاهرة، التي تربط بين حماية مصالحها المائية وتعزيز تحالفاتها الإقليمية مع السودان، بينما يبرز التنافس الاستثماري والاقتصادي مع الإمارات كعامل يضاعف تعقيد المشهد.
الانقسامات السودانية الداخلية
داخل السودان، يشهد المشهد السياسي انقسامات حادة، حيث:
- الإسلاميون السودانيون يعانون من صراعات داخلية، فيما تحاول مجموعة علي أحمد كرتي إعادة نظام الإنقاذ، مع تطبيق صارم للشريعة تحت مظلة المؤتمر الوطني/الجبهة الإسلامية.
- ميليشيات حميدتي تمثل تهديدًا أكبر من الإسلاميين وفق بعض المراقبين، ما يوضح تعقيد الملف العسكري والمدني في آن واحد.
الطريق أمام الوساطة الأمريكية
الخطوة التالية، وفق المصادر، ستتضمن استمرار التواصل مع القادة السودانيين، ثم مع الرعاة الإقليميين، مع التركيز على ممرات إنسانية وحماية المدنيين. ويبدو أن حميدتي سيكون محور الاهتمام القادم في هذه الجولة من الوساطة، بعد اجتماعات زيورخ مع بولص ونائب رئيس الإمارات.
خلاصة
تسريبات مجلة “أفريكا كونفيدينشيال” تعكس أن ملف السلام السوداني يدخل مرحلة حساسة من إعادة تشكيل الوساطة الدولية، وسط صراعات إقليمية معقدة، وأجندات متضاربة، وانقسامات داخلية. يبدو أن المرحلة القادمة ستعتمد على قدرة الولايات المتحدة وقطر والإمارات على إدارة هذه التعقيدات، مع التركيز على ممرات إنسانية وإنهاء الحرب، فيما يظل مستقبل السودان متأرجحًا بين مصالح القوى الإقليمية والانقسامات الداخلية.
