تقرير: مراكز الاعتقال في الجزيرة .. مقابر صامتة وشهادات دامية عن انتهاكات ترقى لجرائم ضد الإنسانية

203
قرية-الجزيرة-ويبسايت

في وسط الجزيرة، لم تعد المعتقلات مجرد جدران باردة تقيّد الحرية، بل تحولت إلى مقابر صامتة تخفي خلفها صرخات المعذبين وأنين المفقودين. هناك، حيث يختطف الإنسان من بيته أو شارع مدينته، يلقى به في زنازين ضيقة مظلمة، ليتحول جسده إلى ساحة للعذاب وروحه إلى رقم في سجل الإخفاء القسري. تقرير مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان الصادر في 15 سبتمبر 2025 يكشف عن واقع يفوق الوصف؛ واقع تدار فيه المعتقلات كآلات قمع جماعي، في مشهد يرقى إلى الجرائم ضد الإنسانية ويضع ولاية الجزيرة في قلب العاصفة الحقوقية.

 

متابعات – بلو نيوز الإخبارية 

منذ اندلاع الحرب في السودان، تحولت ولاية الجزيرة إلى رمز لمعاناة إنسانية صادمة، حيث ارتسمت خلف جدران المعتقلات صورة دامية من الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري. تقرير مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان، الصادر في 15 سبتمبر 2025، رسم لوحة قاتمة جعلت من الولاية “بؤرة قمع” وانتهاكات ممنهجة قد تصل إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.

أطراف متعددة .. ضحايا بلا حماية

رصد التقرير انتشار مراكز الاعتقال في محليات المناقل، ود مدني، الحصاحيصا، ورفاعة شرق الجزيرة، حيث تمارس جهات أمنية وعسكرية مختلفة أبشع صنوف الانتهاكات، من بينها:

الخلية الأمنية والاستخبارات العسكرية والقوات المشتركة وقوات درع السودان بالاضافة الى مجموعة “البراؤون”.

ظروف مأساوية .. ومقابر سرية

كشف التقرير عن ظروف احتجاز وصفت بالـ”جحيمية”.

في مصنع سور بالحصاحيصا، احتجز أكثر من 230 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، في زنازين مكتظة دون فصل بينهم، في انتهاك صارخ لحقوق الطفل.

في رفاعة: حشر أكثر من 70 معتقلًا في غرفة ضيقة (6×8 أمتار) وسط التجويع والضرب المبرح.

في المناقل: تحولت المعتقلات إلى ساحات للتصفية الجسدية، مع توثيق وجود مقابر سرية لدفن ضحايا التعذيب والإهمال الصحي.

ود مدني .. “العاصمة السوداء للاعتقال”

اعتبر التقرير مدينة ود مدني البؤرة الأكبر للاعتقالات، حيث تجاوز عدد المعتقلين ثلاثة آلاف شخص، معظمهم من النشطاء السياسيين، ولجان المقاومة، ومتطوعي غرف الطوارئ. ومن بين الحالات الموثقة 950 ملفًا أُحيلت إلى المحاكم، أفضى بعضها إلى أحكام مؤبد وإعدام، و150 امرأة وُجهت إليهن تهم ملفقة بالتعاون، و160 حالة وُثقت لانتزاع اعترافات تحت التعذيب.

الفساد .. الحرية سلعة تباع

لم تتوقف الانتهاكات عند حدود التعذيب، بل تحولت إلى تجارة قذرة بالحرية. دفع خمسة ملايين جنيه سوداني مقابل الحصول على “شهادة انتساب” صورية لقوات درع السودان لتخفيف الأحكام، وما لا يقل عن ثمانية ملايين جنيه للإفراج من مقار الخلية الأمنية.

التقرير لم يقتصر على الأرقام، بل سلط الضوء على قصص إنسانية مؤلمة. خالد حسن عوض الجيد (ود الليبي) اعتُقل في المناقل قبل رمضان 2024، وبعد العيد تسلّمت أسرته خبر وفاته دون تقرير طبي، وسط شبهات التعذيب أو الإهمال الطبي.

خالد بحيري (70 عامًا) كاتب ومؤرخ وإذاعي معروف، اعتُقل في يناير 2025 بود مدني بواسطة جهاز المخابرات، وظل محتجزًا سرًا ثلاثة أشهر قبل نقله إلى سجن سيئ السمعة، في ظل تدهور خطير لحالته الصحية.

انتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية

خلص تقرير المرصد إلى أن ما يجري في ولاية الجزيرة انتهاكات جسيمة للقانون الدولي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، مؤكدًا أن استمرار هذه الممارسات يكرّس واقع الإفلات من العقاب ويهدد مستقبل السودان.

وطالب التقرير بـالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين تعسفيًا، وفتح تحقيقات مستقلة لمحاسبة المسؤولين، وضمان الدعم القانوني والطبي للمحتجزين.

حماية المدنيين من الانتهاكات الممنهجة.

“مراكز الاعتقال في الجزيرة لم تعد مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى مقابر صامتة تُخفي بين جدرانها قصص الألم والمعاناة، في مشهد يستدعي تحركًا عاجلًا محليًا ودوليًا قبل أن يُطبع القمع كواقع دائم في السودان.”

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com