عبد الرحمن ابوكيس: تاسيس السودان الجديد .. الادبيات واللغة!!
عبد الرحمن ابوكيس
ظل التغيير حلما يراود قوي الهامش لسنين طويلة من عمر الدولة السودانية بكل خطلها القديم، وفشل مشروعها المبني على الظلم والقهر وتفكيك ارادة الشعوب السودانية، لاخضاعها وتحويلها الى تابع مطيع مسلوب الحقوق، نجح عرابوا سودان ما بعد الاستقلال فى الهمينة المطلقة على السلطة والموارد، لكنهم لم ينجحوا فى وأد ارادة شعوب الهامش وشعورها العميق، بقدرتها الذاتية لانتزاع حقها الاصيل فى بناء ترابها الوطني الذي تنتمي اليه، فكان ان بدأت ثورة قوي الهامش، عشية الاستقلال المنقوص، بخروج الاباء المؤسسين للثورة الى الاحراش فى توريت سنة ١٩٥٥، شاهرين سلاحهم فى وجه التبعية والاقصاء وعدم الاعتراف بالتنوع، تلك الثورة التى رفضها مجرموا دولة الظلم الغاشمة، من الاقلية الاقصائية، المسيطرة والمتحالفة مع مصر الاستعمارية، فاطلقوا عليها تمرد توريت، فى كل ادبياتهم السياسية والاعلامية، متعمدين
طمس الحقوق ورفض الادراك بان الانسان لا يقبل القهر والظلم مطلقا، الا ان انسان الاغلبية السودانية المهمش، ظل باستمرار يواصل نضاله الثوري فى كل الاقاليم المهمشة، حتى وصل النضال ذروته بثورة ١٥ ابريل ٢٠٢٣، التى لازال اوراها مشتعلا، منتجة مشروعها السياسي الكبير، ممثلا فى وثيقة ميثاق السودان التاسيسي، الذي يشكل منفستو الاطار النظري، لتحويل انتصار ارادة قوي التغيير الى رؤية وخطة عمل لصناعة وبناء سودان المستقبل الجديد.
لذلك من الجوهري، ان نعمل مباشرة على تجاوز ادبيات وسرديات السودان القديم، لغة وتعريفا، وصناعة ذاكرة جديدة و سرديات جديدة للشعوب السودانية، مستلهمة من رؤية ميثاق السودان التاسيسي، فاللغة والتعابير والتوصيفات، هي انعكاس للرؤية، ذاكرة شعوبنا متخمة بادبيات السودان القديم، والادبيات تعتبر من ادوات صناعة الوعي والتوجه العام المؤثرة، اللغة والتوصيفات والمسميات، تستخدم فى الفعل السياسي لترسيخ قيم محددة فى الوعي العام للشعوب، علي سبيل المثال، قامت الحركة الاسلامية طوال فترة حكمها المشؤومة لثلاثين عاما، بتغير مسميات الشوارع، المدارس وغيرها بما يتوافق ومشروعها السياسي، لخلق ذاكرة جديدة،
وعملت مؤسساتها باستمرا على تجذيرها فى الحياة اليومية للسودانيين، ومن ثم قبول توجهها، ثم انهم ايضا، انتجوا ادبيات جديدة كلية لغلغلة مشروعهم فى فى اللاوعي الشعبي، وتوجيه ارادة الجماهير نحوه بفرض حصار، معرفي ولغوي وادبيات وسرديات تساعدهم فى السيطرة على الوجدان العام، هذا بالطبع غير المناهج التعليمية وانماط الشخصية حتى فى مظهرها الخارجي، والاناشيد المستمدة من مبادئ واهداف مشروع دولتهم المدثرة كذبا بغطاء الدين، ممارسين استدعاءا مدروسا لتاريخ الدولة الدينية فى صورتها الشكلية الكلامية لغايات محددة.
اذن، نحن مواجهون بحقيقة تستوجب الانتباه والعمل على تغييرها، هي ادبيات دولة ٥٦ ولغتها وتوصيفاتها، علينا الغائها فورا من خطابنا السياسي والشعبي الجماهيري، لان وجودها يعني استمرار تاثير العقل القديم الذي انتجها، لا اعرف لماذا ونحن فى خضم الثورة، نستخدم ذات لغة وتوصيفات دولة ٥٦ باشكالها المختلفة، ونطلق على قوات حفظ القانون والتأمين العام مثلا، تسمية من ادبيات دولة ٥٦ مثل لجنة مكافحة الظواهر السالبة! هذه ليست لغة السودان الجديد مطلقا، وبهذا نكون قد صدرنا للشعوب
السودانية باننا لازلنا عالقين هناك، هذه اشياء مهمة ان نعمل على انتاج وتجذير ادبياتنا الثورية للسودان الجديد، لان التغيير الثوري وصناعة السودان الجديد، تبدأ باعادة تشكيل الوعي العام عبر كل الادوات، واللغة والتوصيفات والتعابير والمعاني ودلالاتها المؤسسية والشعبية، هي من صميم ادوات صناعة التحول فى الوعي الجمعي للشعوب، على سبيل المثال، نجد ان تسمية شارع باسم محدد لها دلالة بالضرورة، سواءا كانت مرتبطة بتاريخ الشعب موروثاته، او بالثورة، او تلخيدا لشخص ذو تأثير فى الفعل الثوري ومشروع التغيير، او انعكاسا لقيمة ثورية، وعلي سبيل المثال عندما اطلق الاسلاميون فى عهد حكمهم المشؤوم، اسم عبيد ختم على احد اهم شوارع العاصمة الخرطوم، اصبح اسم عبيد ختم، احد انعكاسات مشروعهم السياسي فى الوعي الجمعي للناس، بغض النظر عن معرفتهم به من عدمها، وملهما لاتباعهم، باعتبار انه تخليد لذكري احد رواد مشروعهم الظلامي العدمي.
صناعة الراي العام وتوجيهه نحو مشروع السودان الجديد، واعادة تشكيل الوعي الجمعي والعام للشعوب السودانية، يتطلب ان توضع الخطط والسياسات لمشروع لغة خطابنا السياسي، وانتاج ادبيات وسرديات
جديدة، نابعة من روح ومبادئ ميثاق السودان الجديد، الغاء دولة ٥٦ من الوجود، يجب ان يكون شاملا فى وعينا الجمعي وتخطيطنا لكل التفاصيل، كما ان تحويل مشروع السودان الجديد الى واقع، يحتاج منا الى التفكير المعمق فى كل التفاصيل، وكيفية تطويرها الى ممارسة حية ويومية، فالنبدأ باللغة والادبيات والسرديات..
