عبدالرحيم الكردفاني: بعض من كل .. تحديات ماثلة (1)

209
clll

عبدالرحيم الكردفاني

أعلنت حكومة التأسيس يوم ٣٠ / ٩ / ٢٠٢٥ ميلاد سلطة دستورية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – قطاع الشمال، وهي القوى المسلحة الوحيدة التي استطاعت منذ انطلاقتها الاحتفاظ الدائم والمستمر ببعض الأراضي في جنوب كردفان، ولم تتزحزح عنها منذ اندلاع حربها مع نظام نميري وزبانيته “الكيزان” وورثة سلطته في نظام الإنقاذ العسكري المؤدلج.

إعلان حكومة التأسيس يضع أمامها تحديات كبيرة ومتعددة: تاريخية وحاضرة ومستقبلية. والانتصار على تلك التحديات هو ما سيحوّل حلم الدولة المدنية الديمقراطية إلى واقع معاش، ذلك الحلم الذي سفكت في سبيله الأرواح والدماء منذ ١٩٥٥ وحتى اليوم.

*التحدي الأول والأكبر*:
إدارة التعدد والتنوع الثقافي.
فما تتميز به الأقاليم المحررة هو وجود تعددية إثنية لمكونات شتى، تزخر بتنوعات ثقافية متداخلة ومتمايزة، وأحيانًا متناقضة.

هذه التعددية تحمل في جوفها إرث الفشل وإفرازات سياسة “فرّق تسد”، وبذور الكراهية التي زُرعت منذ الاستقلال بين هذه المكونات. وكانت بمثابة مختبر ومعمل لخلق الحروب والانقسامات العمودية والأفقية.

الأهم والأخطر أنّ التعبير الحقوقي لهذه المكونات ظل سطحيًا ومظهريًا وترميزيًا على مستوى السلطة والثقافة والفنون والإعلام. وأصبحت الفعاليات الثقافية بعيدة عن حقوق المساواة والعدالة الثقافية للتنوع، وإنما مجرد تنميط سياسي ومظهري لخلق حالة من الرضا النفسي المؤقت. وهو في جوهره “بتر ثقافي” واقتلاع إثني.

وهذه سمة من سمات الأنظمة الدكتاتورية في العالم، والشواهد في المحيط – وفي السودان خاصة – كثيرة. فالنظام الديمقراطي وأنظمة الحكم العصرية تعمل على توفير الرفاهية للشعب بالخدمات التعليمية والصحية وسبل كسب العيش وبناء الإنسان العصري. فليس من مهمة الشعوب أن تُقاد إلى الساحات للاحتفالات والشعارات، وإنما الاحتفال الحقيقي يكون في ميادين الإنتاج، في المصانع والحقول، عندما يصبح الشعب منتجًا وعاملًا. أما الأنظمة الدكتاتورية فتستخدم الحشود الثقافية أداة للحشد السياسي وتعبئة الشعب للجهاد.

ومع تطور وسائل الاتصال، ومع ضبط وترشيد الصرف – كصفة من صفات الدولة الملتزمة بوعودها وبرامجها – لا تهدر الدولة ميزانياتها في خلق جماهير من “الهتيفة”. وفي تجارب السلطات السابقة كانت وما زالت الاحتفالات أداة من أدوات الفساد وتبذير أموال الدولة.

نخلص إلى أن “التعبير عن التنوع” بهذه الصورة ليس سوى نمط دكتاتوري. وعلى الأنظمة الديمقراطية المحترمة أن تنزع عن نفسها أنماط الماضي الفاشل. فالتجسيد الحقيقي للتعددية يكون في تحقيق حقوق المواطنة والثقافة، بكل تنوعها الداخلي، ولكل مفرداتها التعبيرية المادية والروحية، بميزان العدالة والمساواة، عبر تنمية المهارات اللغوية وبناء إنسان متصالح مع نفسه ومع الآخر، يبدع ويشارك في بناء حضارة تعبر عنه وعن استخلافه في الأرض.

فالتنوع والتعددية ليس مسرحهما الوطن فقط، وإنما العالم والإنسانية جمعاء. وهي لا تثمر إلا بالتحصن بالحقوق والعدالة. وإدارة التنوع ينبغي أن تُنظر إليها في إطار المحيط الإنساني الأوسع، لا في الإطار الوطني الضيق الذي يعيق الانفتاح ويمنع الاستفادة من التجارب الإنسانية والنماذج المتطورة في المجتمعات الأخرى التي تزخر بتعددية أكبر. وليس المطلوب التقليد، وإنما تهيئة البيئة الصحية، وتطبيق القواعد والقوانين، وإحقاق الحقوق الأساسية في المجتمع.

*التحدي الثاني*:
تجاوز العقل الماضوي وهدم تراكمات الصراعات السابقة، وما خلّفته من غبن وثارات تُغبش الوعي وتعمل على صياغة الحاضر بمنظور الماضي.

لابد من إحداث قطيعة وبتر إرادي تام بين الماضي والحاضر في العقل الجمعي، وتحرير ذلك العقل من مخلفات عقل التخريب والتجزئة والعنصرة. فإذا كان التعليم وزيادة جرعات الوعي مهمين، فإن تطبيق القانون وتحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب هو المدخل الصحيح والوحيد لوضع الأسس لبناء إنسان ومجتمع جديد، خالٍ من أمراض الأنظمة الدكتاتورية والدينية وعقليات الطائفية والأيديولوجيات التي فشلت في إعطاء مفهوم تاريخي وحضاري أصيل للهوية السودانية. فقد ألحقت هذه الأطر المجتمع بمثلث توافقي (عروبي–إسلامي–إفريقي)، وكانت محصلته ذبح الهوية السودانوية، تلك الهوية ذات الامتداد التاريخي العميق والجذور الحضارية الراسخة.

*التحدي الثالث*:
مكونات التأسيس نفسها تحمل قدرًا متفاوتًا من التناقض بين انطلاقتها الأولى ومشروعها الحالي. وهذا تطور إيجابي يُحسب لها، إذ يعكس الاستجابة الفكرية والسياسية في قدرتها على التعبير عن جذور الأزمة وطرح المعالجات الثورية الملائمة لطبيعة المرحلة.

ومن أهم متطلبات النجاح وإنجاز مشروع التغيير وبناء دولة المواطنة أن يبدأ التغيير من “العقل” لدى القوة الصلبة، وفي المكونات الاجتماعية التي تشكل الحواضن والجماهير.

لا شك أن طبيعة الانطلاقة في مناخ الحرب وما فرضته السلطات العسكرية على الأطراف جعلت الارتكاز على الرابطة القبلية والحمية العصبية سمة بارزة في الصراع المسلح. وهذه مفارقة أحدثتها المواجهات المسلحة. ففي بداية الاستقلال وستينيات القرن الماضي، انطلقت حركات مطلبية في الأطراف، ضمت في عضويتها جل المكونات الاجتماعية، وكانت ذات رؤية وطنية موحدة تطالب بالحقوق في التعليم والصحة والخدمات. لم تكن السلطة آنذاك مطلبًا، إذ كانت تلك الحركات ترى في السلطات القائمة قدرة على تلبية المطالب. لكن بعد عقود، اكتشفت أن تحقيق تلك الحقوق لا يتم إلا بالسلطة. ولما كانت السلطة مصدرها الشعب، لجأت إلى شعوبها في الأطراف. وهنا نشأ جدل السلطة والثروة، والتبعية والفقر، الذي فرض عملية التثوير المناطقي، وجعل الكفاح المسلح العرقي خيارًا وحيدًا في مواجهة الهيمنة العرقية والعنصرية لفئة من قبائل الشمال النيلي على المؤسسة العسكرية منذ الاستقلال، وصولًا إلى اختطافها الأيديولوجي من ذات المكونات.

التشخيص العلمي لمظاهر الأزمة داخل حركات التأسيس – المسلحة والتقليدية – هو المدخل الصحيح لمعالجة مظاهر التكوين القديم داخلها. فليس القانون والدستور هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة للبناء الصلب للخط الثوري الصاعد والمستقيم، الذي يشكل بوصلة الدولة المدنية في كل قطاعاتها النظامية والمدنية.

وهذا هو التحدي الأخطر، الذي يزداد تعقيدًا مع استمرار الحرب، وإصرار المجموعة التي أشعلتها على تحويلها إلى حروب أهلية عنصرية، عبر تجنيد أجانب من التقراي، والدواعش من إيران، والزغاوة من تشاد، إضافة إلى عناصر من تركيا وسوريا وروسيا، ومنحهم الجنسية السودانية. وهي استراتيجية شيطانية تهدف إلى تعزيز التقسيم وتوطين النزاعات العنصرية وإدامة الصراعات بين مكونات السودان المختلفة، وحصر الحروب في كردفان ودارفور.

هذه الاستراتيجية تتطلب وحدة حقيقية بين مكونات التأسيس، تُلغي فيها العقلية الجمعية المغروسة منذ الاستقلال، وتنطلق من عقل جمعي موحد ومشاعر ترابط وأخاء وطني، تُبنى عليها أسس مشروع السودان الجديد. فلا وحدة أسمى من وحدة النضال المسلح، لكن لا تكفي البندقية ولا بذل الروح، بل يجب أن يتوحد معها العقل والقلب…نواصل

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com