عمار سعيد: نقطة اللاعودة .. من خطاب المظلومية إلى مشروع بناء الدولة الفدرالية!!
عمار سعيد
في أعقاب إعلان حكومة “تأسيس” الجديدة، نشهد لحظة فارقة في تاريخ السودان السياسي؛ ذلك أنها **لحظة يمكن أن توصف بـ”نقطة اللاعودة”**، إذ لا إلتفاة بعدها إلى الوراء من أجل استعراض قصص التغول المركزي على الهامش، أو الظلم التاريخي للأطراف، أو استغلال مواردها لصالح قلة حاكمة. ولعلها لحظة مفصلية في تاريخ الأمة السودان أيضا، بالنظر إلى أنها تشير بكل وضوح إلى أن أوان طي تلك الصفحة السوداء من تاريخ السودان قد ٱن، ليس إنكاراً لما حدث في الماضي، بل احتراماً لتضحيات أهل هذه اللحظة؛ لتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية وتاريخ السودانيين الموغل في القدم، بدلاً عن أن تبقى حلما للحاضر في الحاضر والمستقبل.
إن الفيدرالية بما هي نظام سياسي، ليست شعاراً بل عقد وطني، نلاحظ أن حكومة “تأسيس” تتجه بكل وعي وثبات نحو ترسيخ مبادئه، ليس كخيار إداري فحسب، بل كعقد اجتماعي جديد للدولة السودانية الجديدة، والذي يقوم على العدالة والمساواة والتنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة. إن حكومة تأسيس تقول لنا عبر هذا النظام الفيدرالي، إن هدفنا هو قسمة عادلة للثروة والسلطة بين جميع أبناء الوطن، وأننا تجاوزنا مرحلة “الاعتراف بالمشكلة” إلى مرحلة العمل على حلها عملياً، من خلال مؤسسات الدولة وليس المنابر الخطابية. ولعل النظام الفيدرالي المنشود يبشر بأن التعليم والصحة والأمن لن تبقى مجرد أمنيات في الأطراف، بل سصبح أولويات عملية؛ ذلك أن الدولة التي لا توفر لأبنائها الخدمات الأساسية المتساوية، لا تستحق أن تُسمى دولة. لذا، يبرز التزامنا الواضح ببناء مؤسسات قوية، مستقلة وشفافة، تستند إلى الكفاءة والمساءلة بدلاً من المحاصصات المخلّة أو القسمة “الضيزى”.
إن هذه الحكومة الجديدة ستتبنى رؤية وطنية مستقلة وواضحة عبر الانفتاح الكامل على العالم الحر، كما أنها سنركز على مبدأ الشراكة لا التبعية، والتعاون لا الارتهان، والذي نعرفه على أنها سياسة انفتاح ذكي على العالم لا ارتهان للمحاور؛ ومن هنا فإنها لن تكون جزءاً من أي محاور إقليمية أو دولية، بل أن مصلحة الوطن والمواطن ستكون هي البوصلة الوحيدة التي تحدد اتجاه علاقاتها الدولية واستثماراتها الاقتصادية.
تمثل حكومة تأسيس أيضا، انتقالا من حقبة الاستغلال إلى حقبة الاستقلال الحقيقي، وذلك
بالنظر إلى أن “الاستقلال” الذي رُفع كشعار بعد خروج المستعمر في عام 1956م، كان استقلالاً شكلياً، أعقبه استغلال ممنهج من حكومات ما بعد الاستعمار التي تجاهلت ضرورة بناء مشروع وطني جامع. لقد حان الوقت لتصحيح هذا المسار، وإعادة تعريف “الاستقلال” بما يليق بدولة فدرالية ديمقراطية حديثة. ولابد من التأكيد هنا، أن هذا التحول من حقبة الاستغلال إلى الاستقلال الحقيقي لا يمكن أن يكتمل إلا عن طريق ساسات تعليمية رشيدة، ذلك أن التعليم يمثل قاطرة التنمية وقلب أي مشروع وطني.
إنه يجب علينا التأكيد هنا، أن قضية التعليم والتعليم العالي والتدريب المهني والطبي لابد توضع في مقدمة القضايا ذات الأولوية بالنسبة للحكومة، فهي جوهر نهضة الدولة وبوابة المستقبل، كما أننا لا يمكن أن نؤسس لمجتمع عادل في حال استمرت مناهجنا في تهميش العقول وتكريس المركزية الثقافية والمعرفية. لذا يجب الانتباه إلى حوجتنا إلى مناهج جديدة تنصف الأقاليم وتواكب التطور العلمي الحديث. وبغية تحقيق ذلك، لابد أن تتطلع حكومة “تأسيس” إلى بناء شراكات ذكية وعملية مع دول رائدة في مجال التعليم، مثل فنلندا وسنغافورة، للاستفادة من التجارب الناجحة وتوطين المعرفة.
ختاما نقرر، أن المستقبل ملكٌ للجادين، وأننا
لم نعد في مرحلة التنظير أو تبادل الاتهامات، حيث أننا الٱن نعيش لحظة تأسيس فعلية، تُبنى فيها اللبنات الأولى لدولة العدالة والمواطنة والكرامة في السوودان. ومن هنا فأن حكومة “تأسيس” ليست مجرد خطوة سياسية، بل بداية لمشروع نهضوي شامل. سيحكم عليه التاريخ لا بالبيانات بل بالنتائج على الأرض. إننا نتقدم إلى الأمام بإرادة لا تعرف التردد، وبإيمان لا يتزعزع بأن السودان الفدرالي الديمقراطي المدني هو المستقبل الذي نستحقه جميعاً.
