فاطمة لقاوة: الفاشر .. حين تثمر الكراهية دماً!!

123
فاطمة لقاوة

فاطمة لقاوة

في كل حربٍ، ثمّة لحظةٌ يصبح فيها الصمتُ جريمة،

والكتابةُ فرض عين.

ما حدث في الفاشر ليس حادثةً معزولة، بل نتيجةٌ منطقية لمسارٍ طويل من التحريض العرقي الممنهج الذي زرعته الدولة القديمة في وجدان جنودها،وأشاعته في منابرها الإعلامية وخطابها السياسي، حتى صار الدم مبرراً، والقتل بطولة.

لا يمكن أن نفصل ما جرى في الفاشر عن مشهد الحرب الكبير الذي بدأ بخطاباتٍ مشحونةٍ بالكراهية، ودعواتٍ علنيةٍ لإبادة “أولاد الضيف”، كما رددها بعض رموز الفتنة من منابر الجيش والإعلام،من مصطفى طمنبور وطباخ المدرعات الذين هتفوا أمام الكاميرات: “ماشين نضبح أم كعوكات”، و*“نغتصب أم قرون”*، إلى ندى القلعة التي مجدت القتل في حفلاتها، وداليا الياس التي تحدثت عن “الكباب البشري المشوي”، ثم إعلاميون مصريون مثل وحيد بيومي وبسيوني الذين وصفوا السودانيين بـ“المقملين الوسخانين والمرتزقة”.

هذا الخطاب لم يكن عفوياً، بل كان منظماً ومسنوداً من مؤسسات الدولة نفسها.

الفريق ياسر العطا هو من أطلق مصطلح “أم كعوك” العنصري، ليصبح لاحقاً شعاراً لكتائب الكراهية التي إجتاحت مواقع التواصل الإجتماعي.

الفريق البرهان نفسه قالها صراحةً: “هؤلاء لا يشبهوننا”، في إشارةٍ إلى عرب دارفور، مؤكداً أن الحرب تُدار في “حواضنهم الإجتماعية”.

أي وحدةٍ وطنية تُبنى على هذا الخطاب؟.

التحريض لم يقتصر على الكلمات فقط.

منصات “العمل الخاص” و”البراء بن مالك” ملأت الفضاء الإلكتروني بمقاطع تُوثّق تهجيراً قسرياً وإعدامات ميدانية، وتفاخرٍ بالتمثيل بالجثث، كما حدث في الصالحة، حيث أُعدم صلاح الرهيدي وابنه،والعم حسين،والمرأة التي بقروا بطنها واخرجوا طفلها بسبب أنها كانت زوجة دعامي حسب كلام مرتكبي الجريمة، وإحتفظ بعض القتلة بجماجم الضحايا كـ”تذكارات حرب”!

هكذا تحولت الكراهية إلى ثقافة، والعنف إلى مشهد إعتيادي يتبادله الناس بلا حياء ولا ضمير.

ثم جاء الدور على القيادات الأهلية، التي استُهدفت بالطائرات المسيّرة، لتبلغ الحرب ذروتها في الفاشر، حيث قُتل اللواء علي يعقوب ومُثّل بجثته على نحوٍ يندى له جبين الإنسانية.

لم يصدر إستنكارٌ رسمي، ولم يتحرك الضمير العام، بل علت أصوات التكبير والتهليل، وكأننا أمام مشهد نصرٍ لا جريمة،وتناقلت القنوات الأخبارية الأمر كأنه بطولة فعلها الجيش ودواعشه.

هنا يطلّ السؤال الأكبر:هل ما فعله أبو لولو ومن معه هو مجرد إنحراف فردي بسبب التراكمات النفسية، أم نتيجة طبيعية

لعنف الدولة وخطابها الإعلامي الذي وصفنا جميعاً في غرب السودان بأبشع الألفاظ؟

هل هو صنيعة بيئةٍ شبعت تحريضاً

وكراهيةً حتى فقدت حسّها الإنساني؟أم أن أبو لولو زريعة كيزان أُطلقت لتشويه صورة الدعم السريع وإحراجه أمام العالم؟

الأسئلة كثيرة، والإجابات تحتاج إلى صدقٍ وشجاعة.

الأكيد أن ما زرعته النخبة الحاكمة في الخرطوم من عنصريةٍ وإستعلاءٍ تاريخي بدأ يؤتي أكله المرّ.

الحرب لم تعد بين جيشٍ ودعم سريع، بل بين خطابين متناقضين: خطاب إنسانيةٍ ووطنٍ يسع الجميع تتبناه قوات الدعم السريع وتسعى لفرضه، وخطاب كراهيةٍ يرى في الآخر نجساً يجب إستئصاله،وهذا تبنته عصابة بورتسودان وإعلامها الكاذب.

أمام هذا المشهد، يبقى السؤال الأخير والأخطر:أين العالم من كل هذا؟أين المجتمع الدولي الذي يصمّ أذنيه عن جرائم جماعة بورتسودان ضد المدنيين، ويكتفي بالتصريحات الباهتة عن “القلق العميق”؟

لقد حان الوقت ليفهم الجميع: أن وقف الحرب هو الخطوة الأولى قبل الحساب.

فلا عدالة بلا دولة، ولا مصالحة بلا إعتراف، ولا سلام بلا إيقاف ماكينة الكراهية التي جعلت من أبناء الوطن الواحد أعداءً على ترابٍ واحد.

ولنا عودة بإذن الله

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com