منال علي محمود: زي جلد السوط عن (الجاكومي)، في وطن للبيع

181
منال علي محمود

[email protected]

ما بين لسان الجاكومي وحدود إريتريا انكشف المستور رجل يلوح بالمظلومية ثم يعلن جهارا انه ذاهب لتاسيس جيش قبلي برعاية اسياس افورقي خمسون الف شاب من ابناء الشمال يدفع بهم الى معسكرات إريتريا ليعودوا – لا كقوة وطنية – بل كاوراق ضغط، كفزاعات سياسية، كجزء من المزاد والمزاد، كما نعلم، مفتوح على السودان كله

غياب الجيش عن المشهد ليس غيابا عاديا هو انسحاب متعمد من معنى الوطن وتركه لمن يملكون المال والقبيلة والغطاء الخارجي

الردود المسمومة في لقائه مع احمد طه، لم يكن الجاكومي يرد على اسئلة بقدر ما كان يلقي بيانا اتهم القوى المدنية بانها واجهة للدعم السريع، ثم انسحب من اللقاء غاضبا لان الضيف الاخر حظي بوقت اطول لكن الاخطر من غضبه، كان ما اعلنه بهدوء: مشروع تدريب ٥٠ الف مقاتل شمالي خارج السودان

تصريح لا يحتمل التاويل لم يات على ذكر الغرب او الشرق او الجزيرة اقتصر على الشمال وحده والمعنى واضح

من اعطاهم هذا الحق الحصري سوى صمتنا، وغفلة من تجاهلهم في المعادلة الوطنية؟ من الذي فوضهم بحمل السلاح؟ ومن الذي يمول هذا المشروع؟

فهل صار الشمال بعد هذا التصريح حاضنة عسكرية؟ وهل تقاس الحواضن بالهوية ام بالسكوت المريب؟

قسمة ٥٦ ومحكمة الحواضن.
ما يحدث الان هو تثبيت عملي لمعادلة المركز والظل الجيش يغض الطرف عن تجنيد ابناء الشمال وتدريبهم خارج حدود الوطن، بينما يحاصر اطفال الغرب بتهم الانتماء ويبادون تحت لافتة (حواضن التمرد) لا صمت الجيش بريء، ولا جهله عذر

الصفوف التي تقاتل مع الجيش اليوم، ان لم تدرك ان معركتها تدار على ظهرها، فستجد نفسها تحارب نيابة عن من يحتقرون دمها

الجيش لا يدين تسليح الشمال، ولا يصدر بيانا يجرم تقسيم البلاد الى معسكرات اثنية لكنه يبرر القصف في دارفور وكردفان باعتبارها حواضن وكان الوطن يقسم حسب القبيلة واللون والبعد عن المركز

المعركة الحقيقية ليست مع (الجنجويد) وحدهم بل مع كل من يرى ان بندقية دنقلا شرف، بينما بندقية نيالا خيانة

عاصفة الحزم وقوات للبيع.
في اليمن، قاتل الجنود السودانيون ضمن اتفاقيات رسمية وبطلب من الخارج لكن العلاقة كانت واضحة، قتال عند الطلب لا تكوين جيوش خارج الدولة ولا استنساخ قوى مسلحة جديدة

اليوم، نشاهد نسخة مشوهة من تلك التجربة باسماء داخلية وتمويل غير معلن قوة مسلحة تتكون خارج سيطرة الدولة بلا هوية قانونية وبخدمة اجندة جهوية

الشعب لا يعلم عن مصدر تمويلها ولا عن اهدافها ولا عن قيادتها والسلطة تغض الطرف والجيش صامت والمخابرات غائبة

خيانة دستورية الدستور السوداني واضح لا لبس فيه يحظر تكوين اي قوة مسلحة خارج القوات النظامية، ويحصّر حق حمل السلاح في الجيش والشرطة والامن تحت اشراف الدولة والقوانين

اي قوة تتكون خارج هذا الاطار تعتبر مليشيا غير شرعية، ولو رفعت علم السودان بل ان مشاركتها الى جانب القوات النظامية لا تمنحها شرعية، بل تجرم الجيش نفسه لانه يدخل عناصر خارج القانون في ساحة العمليات الوطنية الدستور لا يعترف بمليشيا مساندة ولا يعذر باي حجج جغرافية او ضرورة

في العام الذي دافع فيه السفير دفع الله الحاج في محفل دولي عن قوات الدعم السريع، استند الى الدستور كمظلة تمنع تعدد الجيوش فما السند القانوني اليوم لتكوين مليشيات مثل (درع الشمال) و(البطانة) و(كتائب البراء) و(براوون) و(القوات المشتركة) وغيرها؟

الدولة الغائبة تدريب بهذا الحجم لا يمكن ان يتم دون توقيع رسمي او تمويل معلن، فمن يقف خلفه؟

تدريب بهذا الحجم يحتاج الى ميزانية دول لا الى صمت مؤسسات فمن اين اتى الشمال بكل هذا الدعم؟ وكيف تم تمرير الامر دون رقابة او محاسبة؟

غياب اي مؤسسة سيادية عن هذا المشهد هو اعلان صريح بانهيار الدولة اذا كانت كل جهة ستنشئ جيشها، فنحن لا نعيش حالة حرب اهلية وشيكة — بل نعيشها بالفعل

خاتمة الجاكومي لم يبتكر شيئا لقد عبر فقط، بلسان فظ، عن ما ظل يدار في الغرف المغلقة منذ الاستقلال

السلطة لمن يملك القرب الجغرافي من المركز والسلاح المؤمن والرضا الاقليمي لكن الوطن لا يدار بالموقع الجغرافي ولا تصان كرامته بالمليشيات

واذا استمر هذا المسار، فلن يبقى في السودان ما يسمى (جيشا قوميا) بل ستنتشر وحدات مرتزقة تحت اسماء جهوية

من يصمت اليوم، سيساق غدا الى الحرب وهو لا يدري لحساب من ومن يرفع البندقية بلا هوية، سيعود بها على نفسه — حافيا، في وطن للبيع

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com