منال علي محمود: شفشفة!!

221
منال علي محمود

منال علي محمود

 

شفشفة الهوية
عندما يتحول شكل الإنسان إلى سبب في الإدانة، وتصبح ملامحه هي قرينة الاتهام، فاعلم أن ميزان العدالة قد انكسر.
النساء اللاتي تم إعدامهن بتهمة الانتماء أو الشك في (الهوية)، لم يكنّ مدانات بأي جرم واضح، فقط ملامحهن (غريبة)، لا تشبه (شكل السلطة).
وهذا يمثل خرقا صارخا للمادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على (لكل إنسان الحق في الاعتراف به كشخص أمام القانون).
وكذلك المادة 48 من الوثيقة الدستورية: (العدالة الجنائية تطبق بعدالة، ولا يجوز محاكمة أي شخص إلا وفقا لقانون ساري المفعول وقت ارتكاب الفعل).
ما حدث هو جريمة قانونية ودستورية، ألبست ثوب العدالة الثورية.

شفشفة الحقوق
عندما أجبر أبناء الهامش على حمل السلاح ليسمع صوتهم، لم يكن ذلك رفاهية أو رغبة في حرب، بل وسيلة اضطرارية لانتزاع اعتراف بالدولة التي أنكرتهم.
وحين جلسوا إلى طاولة التفاوض، لم يُعترف بهم كمواطنين كاملي الحقوق، بل كـ (قوات مشتركة) يُقاس وجودها بالحصة لا بالحق.
المادة 7 من الوثيقة الدستورية تؤكد أن (جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو النوع أو الجهة).
لكن الحكومة حين تعترف بمواطَنك بعد أن تقاتلها، فهي لا تمارس شراكة، بل تمنحك حقا ليس من عندها، بل من صلب الدستور.

شفشفة التاريخ
في السرد الرسمي لتاريخ السودان، نلاحظ أن بعض المناطق تُروى سيرتها بالكامل، من المهدية إلى الاستقلال، بينما مناطق أخرى، رغم مساهمتها الفارقة، تُختزل في كليشيهات مثل التهميش أو التمرد.
جزء كبير من طلائع المقاومة الوطنية، ومنهم من حملوا السلاح في وجه المستعمر وفي وجه المركز لاحقا، لم يخرجوا من فراغ، بل من مدارس وتجارب متجذرة.
لكن يبدو أن سردية الوطن الكاملة لا تحتمل بعض الأسماء، ولا بعض الجغرافيا.
وهكذا تحوّلت ذاكرة أقاليم بأكملها إلى حواشي، في حين أن ما تستحقه هو المتن، بل وربما العنوان.

شفشفة الصوت
كثيرا ما يُقال إن التمثيل العادل للأقاليم صار واقعا، لكن نظرة أعمق تكشف أن بعض الأصوات صارت حاضرة أكثر مما ينبغي، لا لثقلها، بل لطواعيتها.
بعض الوجوه التي تُقدّم باعتبارها ممثلة للهامش، تظهر في كل مشهد، لكنها نادرا ما تنطق بموقف حاد أو رأي منحاز فعلا لقضايا الناس.
التمثيل هنا يُستخدم كزينة سياسية، تُعلّق عند الحاجة وتُرفع فور انتهاء المناسبة.

ولعل أبرز مثال على هذا التمثيل الرمزي، أن يُسلّم ملف الأمن الداخلي لشخص لم يُعرف في مسيرته بمشروع إصلاح مدني، بل برز صوته سابقا في ساحات التهليل والتعبئة الجهادية.
قد لا يكون غريبا إذن أن يُدار الأمن بعقلية التعبئة لا بعقل الدولة.

والمفارقة أن هذه الترضية السياسية، التي جاءت في هيئة منصب رفيع، طُرحت كرسالة رمزية لقبيلة النوبة، التي يعد أبناؤها من أعمدة المؤسسة العسكرية.
لكنها ترضية لم توقف قرارات الإزالة، التي مضت بثبات في مناطقهم، ولا ضمنت لهم حماية الأرض أو الكرامة.
حتى لو ارتقى ممثلهم إلى أعلى منصب، سيظل المشهد واضحا: من يُعطى المنصة للترضية، لا يُعطى القرار للحماية.
شفشفة الاستحقاق
في لحظة من لحظات الخداع الجماعي، بدا وكأنّ حصة الحركات المسلحة في الحكومة هي موضع الاستهجان الوحيد، وكأنّ كل المكونات الأخرى جاءت بمباركة الملائكة.
الرفض والامتعاض لم يكن موجها إلى موازين السلطة ككل، بل صُبّ بالكامل على الذين خاضوا المعارك، على من قاوموا، ودفعوا أرواحهم ثمنا لمطالبهم.
بينما مارس الكثيرون صمتا مريبا أمام تمدد مكونات لم تحمل بندقية، ولم تتعرض لنزوح أو إبادة أو تشريد.

فهل هانت بسالتنا إلى هذا الحد؟ أم أن صمتنا، الذي ظننّاه رفعة، فُهم تتويجا لاستحقاقهم البائس؟
ما بين من قاوموا فدُفعوا جانبا، ومن صمتوا فصعدوا، حدثت الشفشفة الكبرى للاستحقاق.
تم إفراغ النضال من قيمته، وتحويله إلى ورقة تفاوض تُنسى حالما يُغلق الباب.

شفشفة قرار السلام
حين اختار الناس، أو جزء مقدّر منهم، أن لا يعودوا للحرب، لم يكن ذلك هزيمة، بل نضجا.
صوت السلام الذي خرج من القرى والمدن والمخيمات، لم يُقابل باحترام، بل بالتجاهل.
كأن قرار السلام كان عطاء من لا يملك لمن لا يستحق، لا تعبيرا عن إرادة شعب أنهكته البنادق.

لم تُفتح منصات للمدنيين ليعلنوا ما يريدون، ولم تُناقش الموازين من واقع صوت الشارع.
بل إن الأمر بدا كما لو أن النخب تتداول الحرب والسلام كأنها أوراق تفاوض لا علاقة لها بالناس.
وهنا حدثت الشفشفة الأعماق، صوت الناس تم تحويله إلى صدى بعيد، بينما كان الأصل أن يكون هو المايكروفون.

شفشفة العدالة الانتقالية
رغم أن العدالة الانتقالية وُضعت كمسار لمداواة جراح الماضي، إلا أنها أُفرغت من مضمونها الحقيقي عبر صفقات سياسية فوقية.
تم تجاوز مبادئ المساءلة، وتعويم المسؤوليات، وتحولت الملفات من قاعات العدالة إلى غرف التفاوض.
فصارت الانتهاكات التاريخية، من قتل ونزوح واغتصاب، مجرد أوراق تُستبدل بمناصب، أو تُسوّى بتعويضات هامشية لا تُنصف الضحايا.

المادة 7 من النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية تُعرّف الجرائم ضد الإنسانية بأنها تشمل القتل، الاضطهاد، الترحيل القسري، والاغتصاب حين تُمارس ضمن سياسة منهجية.
لكن ما يحدث في السودان هو شفشفة هذه الجرائم، أي تمييعها وتسييسها، والخلط المتعمد بين العفو السياسي والمساءلة القانونية.
والنتيجة: من يجب أن يُحاسب، يُستضاف. ومن يجب أن يشهد، يُسكت. ومن يجب أن يُعاد له حقه، يُطالَب بالصمت لأجل الاستقرار.

شفشفة الوحدة
عندما توحد الهامش، ارتعب المركز.
رأى فيها خطرا على موازناته، لا فرصة لبناء سودان جديد.
فبدأت محاولات التشظي: دعم فصيل وتهميش آخر، فتح بوابات التمويل المشروط، إدخال السلاح بلا تدريب، واستخدام الإعلام لتشويه صورة الوحدة.

المادة 6 من الوثيقة الدستورية تنص على أن (الدولة تلتزم بإزالة التهميش وتعزيز التمثيل العادل).
لكن بدلا من أن تبارك وحدة أهل الهامش، خططت الدولة لإفشالها، وكأن هذه الوحدة خطر يجب تحجيمه، لا فرصة يجب تبنيها.

شفشفة العلاقات الدبلوماسية
لم تعد علاقات السودان الخارجية تُبنى على مواقف وطنية أو مصالح شعبية، بل على مزاج الأجهزة ومراوغة الأجندات.
تجد السلطة نفسها تارة في حضن من يصفون أهل السودان بالغبار، وتارة في صف من لا يرى في دارفور سوى ساحة مناوشات قبلية.

التحام السلطة مع جبهة ضد مذهب معين، وهم أصلا لا يعترفون بشرعيتها، ليس موقفا سياسيا، بل شفشفة أخلاقية واستراتيجية.
فحين تتماهى مع محور يرى أهلك تهديدا ثقافيا، فأنت لا تتحالف، بل تنمحي.

بين التفاوض والتنازل
في لحظات نادرة، فرضت بعض القوى نفسها بقوة الميدان والمجتمع، وبدا وكأنها على وشك كتابة فصل جديد في تاريخ السودان.
لكن بدلا من إعادة تشكيل الدولة، انشغل البعض بإعادة ترتيب مواقعهم داخلها.

بدا وكأن الطموح انحصر في الوصول إلى المنصة، لا في تغيير المسرح.
هذا لا يلغي نُبل المسار، لكنه يذكّر بأن الحقوق لا تُنتزع لتُرهن، ولا يُحمل السلاح لأجلها ليُقايَض.

وقد لا تحتاج بعض الجهات إلى أن تُقصى، يكفي أن تُدعَى، وتُمنح ميكروفونا، لتتكلم طويلا بلا أثر.

لن نصمت
هذه ليست مرثية.
ولا خطاب استجداء لمن لا يسمع، ولا مناشدة لأبواب موصدة.
بل إعلان واضح  لن نصمت.

لن نصمت على تغييب التاريخ، ولا تزييف التمثيل، ولا تحويل حقوقنا إلى فتات على موائد التسويات.
لن نصمت ونحن نُقدَّم كرمزية باردة، بينما تُزال قرانا، وتُقتل نساؤنا، ويُدار وطننا بعقلية طائفية وغنائمية.

لسنا الهامش، نحن الجذر.
لسنا الأقلية، نحن القلب.
وسنظل نكتب، ونفضح، ونقاوم…
حتى تعود الكلمة لأصحابها، والأرض لأهلها، والسلطة لمن يستحقها حقا.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com