منال علي: مرةً أخرى عقوبات لا تطال إلا الشعب .. وأزمة السودان تتجاوز المظاهر!

129
منال علي محمود

بقلم: منال علي محمود

منال علي محمود كاتبة سودانية وناشطة سياسية مستقلة، حاصلة على ماجستير في إدارة المشاريع ودبلوم في التحكيم الدولي وفض النزاعات، عملت سابقاً مع برنامج الغذاء العالمي.

رحب البعض بالعقوبات الأميركية الأخيرة على السودان باعتبارها خطوة طال انتظارها ضد نخبة تجار الحروب في البلاد. لكن بالنسبة لكثير من السودانيين، لم تكن سوى لفتة دولية أخرى أخطأت الهدف. فبدلاً من أن تطال أمراء الحرب والمستفيدين من النزاعات الذين استنزفوا السودان، منحتهم هذه العقوبات نصراً دعائياً، بينما يدفع المواطن السوداني العادي الثمن.

استغل الحكام العسكريون الذين طالتهم العقوبات وحلفاؤهم الإسلاميون والمعروفون محلياً باسم “الكيزان” اللغة الواردة في البيان الأميركي، لا سيما عبارة “حكومة السودان”، وسرعان ما تلاعبوا بها في إعلامهم وخطاباتهم ليصوروها اعترافاً دولياً بسلطتهم، محولين الإجراءات العقابية إلى وسام شرعية. والمفارقة المؤلمة أن زمرةً من المسؤولين عن عقود من الحروب والفساد والقمع باتت تحتفل بالإدانة كما لو كانت انتصاراً.

وفي هذه الأثناء، نحن الشعب السوداني من يتحمل العواقب، مرة أخرى. تتراكم العقوبات على اقتصاد منهار أصلاً، فتخنق ما تبقى من حياة في مؤسساتنا المتهالكة. تؤثر على توفر الغذاء والدواء والوقود. تُغلق المتاجر الصغيرة، وتُفقد الوظائف، ويبتلع التضخم ما تبقى من دخول الناس. أما المستهدفون الحقيقيون من هذه العقوبات – الجنرالات، ومهربو الذهب، ومهندسو الإبادة – فما زالوا في منأى عن الأذى.

ولم لا يكونوا كذلك؟ فقد باع هؤلاء كل ما لا يُباع. من خط هيثرو الجوي إلى أسطول الملاحة البحري، من مصانع النسيج إلى الأراضي الزراعية الواسعة، من الجنوب إلى موانئ الشمال – نهبوا مستقبل السودان وتاجروا به. تم تهريب الذهب، واستُغل الناس، والآن – نعم، اليورانيوم – صار بيد من لا يحترمون لا قانوناً ولا وطناً.

ثروة خطيرة في الأيادي الخطأ

لا يقتصر غنى السودان على الذهب، بل يمتلك احتياطات كبيرة من اليورانيوم أيضاً. ووفقاً لتقرير صادر عن السلطات السودانية في عام 2010، فإن البلاد تمتلك نحو 1.5 مليون طن من اليورانيوم، يتركز معظمها في إقليم دارفور الغربي وجبال النوبة. وقد جذبت هذه الموارد انتباه المجتمع الدولي، بما في ذلك خطط تعاون مع الصين في مجال مشاريع اليورانيوم (وكالة الأناضول: https://www.aa.com.tr/en/energy/nuclear/sudan-to-cooperate-with-china-on-uranium-mining/1768239).

وفي خضم هذا الاضطراب، تبرز مأساة حي الصالحة بأم درمان كذكرى دامغة لتكلفة السياسة على البشر. عندما “حررت” قوات الأمن الحي بعنف، تعرضت العائلات للضرب والإهانة، ودُهمت المنازل، وأصبح المدنيون – وكثير منهم أبرياء – ضحايا لقمع الدولة. سكان الصالحة، الذين أنهكهم الفقر والإهمال، واجهوا مزيداً من الإذلال والمعاناة على يد من يفترض أن يحموهم. ومع ذلك، فإن ما حدث في الصالحة يبدو ظلًا خافتًا بالمقارنة مع الأهوال التي تجتاح دارفور، حيث أباد العنف المنهجي والتطهير العرقي مجتمعات بأكملها.

إضافة إلى ذلك، لم تخلق النزاعات السودانية الدمار فحسب، بل أفرزت أيضاً ميليشيات جديدة وجماعات مسلحة، وانتشرت الأسلحة في البلاد على نحو غير مسبوق. وهذا التوسع في التسلح يُغذي العنف وعدم الاستقرار. وهنا يُطرح السؤال: هل ستوقف العقوبات فعلاً هذا الانتشار للسلاح ونمو الميليشيات، أم أنها مجرد إجراءات رمزية لا تمس جذور الأزمة؟

لقد تابعت الأسرة الدولية بما فيها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي انحدار السودان بمزيج من البيانات والقرارات والإدانات الرمزية. لكنها غالباً ما كانت بطيئة، مترددة، أو مشلولة بسبب حسابات سياسية. فالعقوبات التي يُفترض أن تُمارَس على النخبة الحاكمة، نادراً ما تُرافقها مساعدات إنسانية فعالة أو جهود حقيقية لتحقيق تحول ديمقراطي. وبدلاً من ذلك، تُرك الشعب السوداني يواجه المصير وحده وسط ارتفاع جنوني للأسعار، ونقص في الدواء، وأزمة لاجئين متزايدة مع فرار العائلات من العنف والحرمان.

 

إن المعاناة في السودان لا يمكن تغليفها في عبارات دبلوماسية. الجوع المتزايد، وغياب الرعاية الصحية الأساسية، وانهيار الخدمات الاجتماعية كل ذلك يرسم صورة قاتمة تتجاهلها القوى التي تدّعي القلق. وبدون مقاربة شاملة تُعلي من شأن الإنسان السوداني العادي، ستظل العقوبات مجرد لفتات جوفاء تعاقب الضعفاء لا الجناة.

على العالم أن يتجاوز دور المشاهد الصامت. عليه أن يدرك أنه دون دعم الحركات الديمقراطية القاعدية، وتمكين المجتمع المدني، ومحاسبة أمراء الحرب، فإن لا العقوبات ولا البيانات ستُحقق السلام أو العدالة. مستقبل السودان مرهون بتضامن دولي حقيقي، وبإرادة داخلية لا تتزعزع في سبيل العدالة.

لقد اكتفينا من الصمت والوعود الفارغة.

الشعب السوداني يطالب بما هو أكثر من الكلمات – يطالب بالفعل.

لن نكون غير مرئيين.

لن يتم تجاهلنا.

سنقف، بصوت عالٍ وثابت، حتى تتحقق العدالة.

 

 

[email protected]

منال علي محمود كاتبة سودانية وناشطة سياسية مستقلة، حاصلة على ماجستير في إدارة المشاريع ودبلوم في التحكيم الدولي وفض النزاعات، عملت سابقاً مع برنامج الغذاء العالمي.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com