منعم سليمان: مأتم الوطن في مشهد بائع اللبن!

142
منعم سليمان

منعم سليمان

كأننا أمام مأتمٍ لا يخص فردًا بعينه، بل سلطةً بكاملها. كان وجه الرجل، وهو يؤدي القسم وزيرًا للثروة الحيوانية أمام البرهان، كافيًا ليقول كل شيء. على محيّاه ارتسمت سمات النهم إلى الافتراس، وعلامات الحيوانية أيضاً. إذن نحن أمام الرجل المناسب، في المنصب المناسب، أمام الحاكم العسكري المناسب.

جِيء به من الخليج، بعد أن أمضى سنواته الأخيرة عاطلًا عن العمل، وكان قبلها موظفًا في شركةٍ تبيع الحليب والأجبان والزبادي. رجل باهت كزبد اللبن، سمعته ذات “بودكاست” يهرف قائلاً بأنه قادر على جلب أربعين مليار دولار من تجارة اللحم واللبن- وإنا لله!

وقد علمتني خبرتي (غير المتواضعة) في دهاليز السلطويين السودانيين أن أحذر من اثنين: مسؤولٍ يغرق الناس بوعود أرقام المال، وآخر يتشدق بأن المال مال الله. فكلاهما لا يريد سوى سرقة هذا المال.
إذ لم يحقق البقر، منذ عهد بقرة بني إسرائيل التي تسر الناظرين مثل هذا الدخل الأسطوري، ولا أن مال الحكومة هو مال الله، بل هو مال الشعب!

ثم إن الخليج، بطبيعته، ليس مكاناً لتنمية الثروة الحيوانية، ودبي على وجه الخصوص مركز عالمي لصناعة البشر لا تربية البقر!

كان مشهد القسم أبعد من أن يُفهم بوصفه إجراءً دستوريًا عابرًا؛ بل بدا طقسًا جنائزيًا كامل الأركان. وزير أُعفي فجأةً وعاد بغتةً، يقسم أمام جنرال بحضور رئيس الوزراء الذي أعفاه من قبل، فيما الجنرال الذي يحرك الخيوط من وراء ستار يبتسم ابتسامة خبيثة. كل ما في الصورة يوحي بأننا حيال وليمة أقامها الأشباح فوق جثمان الوطن.

لقد عُيِّن أحمد التيجاني المنصوري مرتين. وبين التعيينين لم يتغير شيء، سوى أن الجنرال ابتسم، وأن كميل إدريس جلس في الصف الأول ليؤدي الدور المرسوم له. فأي عبث هذا الذي يجعل من القرارات المصيرية ألعابًا ورقية، تُطوى وتُفتح على نزوة عسكري!

لكن القضية أبعد من مهانة رئيس وزراء منزوع الكرامة فطرةً. فما يُسمى “حكومة” ليس إلا قناعًا أجوف، واجهة ديكورية تُعرض على العالم ليقال إن هناك مؤسسات دستورية ما تزال قائمة. بينما الحقيقة أن كل شيء يُدار من غرفةٍ مظلمة، حيث يجلس العسكري، يحوِّل الوطن كله إلى كيان مسموم هو خليط ملوث بين الكيماوي واللبن!

في ذلك المشهد، ذابت الحدود بين الدولة والجيش، بين السلطة والسيادة. لم تعد هناك حكومة ولا مؤسسات، بل جهاز إداري تابع للثكنة. تُعزف عليه ألحان عسكرية مكرورة، تقول: إن العسكري هو الأصل و “الكوز” هو المرجع، وما سواهما مجرد ظلّ باهت يبرر اللعبة أمام الخارج.

مشهد بورتسودان الحالي كله عبارة عن مسرح للظلال. البرهان هو الممثل الأوحد، يمنح دميته بعض الصور التذكارية في أرشيف دولة تتآكل. أما التاريخ، فلن يحفظ اسم كامل إدريس لا كرئيس وزراء، ولا حتى كدمية – إذ تنفلت الدمى أحيانًا من خيوطها – بل ككائن مشوّه بلا ملامح، شهد على زمن انحطّت فيه السياسة، وتلاشت فيه فكرة الدولة، حتى أصبح الوطن نفسه جثةً تُقام حولها طقوسٌ بلا روح.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com