منعم سليمان: تمبول .. صراع الذئاب في حضن الراعي!

127
منعم سليمان

منعم سليمان

في ذلك الصباح الذي ارتدى وجه الاحتفال، كانت مدينة تمبول بشرق ولاية الجزيرة تشهد عرضًا منمّقًا لولاء ميليشيا ما تُسمّى بـ”درع السودان” لجيشها .. ذلك الجيش الذي يتهادى على جراح الوطن كما يتهادى النسر على جثة فريسته. لكن السماء، التي كانت تراقب بصمت، أرسلت طائرتها المسيّرة، لا كغريب يقتحم المشهد، بل كابن عاق يعرف مداخل البيت ومخارج الروح.

البيان الرسمي لمليشيا الدرع، ببرود من يحاول إخفاء الدم عن ثوبه الأبيض، ألقى التهمة على قوات الدعم السريع البعيدة، فيما السماء والأرض والريح وأحاديث الجنود تؤكد أن اليد التي ضغطت الزناد كانت يد البراء- تلك الجماعة الدينية الحربية التي أشعلت شرارة الحرب الأولى، والتي لا تحفظ من القرآن سوى آيات السيف، وتستلهم من داعش طريقًا إلى الجحيم، لكنها تبيت في خيمة الجيش، وتتقاسم معه الزاد والمضجع.

الهجوم لم يكن جرحًا في جسد الحليف، بل خنجرًا في شرايينه. البراء، التي تحترف الزحف بين الظلال، وجدت في “درع السودان” غريمًا ينافسها على آخر قطرات النفوذ المتبخّر، خاصة بعد اخفاء /اختفاء قائدها المصباح أبوزيد في مصر!

شواهد ومصادر عديدة تؤكد أن المسيّرة أقلعت من أرض تسيطر عليها ميليشيا البراء، في رسالة واضحة: نحن من يقرّر من يبقى ومن يُمحى. أما الجيش، ذلك الحارس العجوز لتحالفات الدم والفساد، فقد اكتفى بمشاهدة المشهد من بعيد، كأنه يشاهد فصول مسرحية يعرف نهايتها منذ البداية.

هذه ليست حادثة عابرة، بل فصل من ملحمة الخيانة والغدر التي تؤديها “القوة المشتركة” من الميليشيات والمرتزقة، حيث كل ذئب ينتظر لحظة افتراس ذئبه الشقيق، وحيث القادة يبتسمون على المنصات بينما يُسحب خصومهم ليلًا إلى مصيرهم. مناوي، أحد قادة فرق الموت المسلحة، فرّ هاربًا قبل أن تقصفه سماء التصفيات.

أن تُقصف ميليشيا حليفة للجيش وسط احتفالها بعيده وفي عقر دارها، ثم يختفي الغضب خلف الأبواب، يعني أن الحرب هنا لم تعد بين خصمين، بل صارت رقصة موت تؤديها الذئاب في حظيرة واحدة، فيما الطائرات المسيّرة تلعب دور المايسترو.

وفي وسط هذا السيرك الدموي، يبقى المواطن السوداني هو المتفرّج الوحيد الذي لا يملك ثمن التذكرة ولا خيار مغادرة القاعة، يدفع من دمه ثمن صراعات أمراء الحرب، بينما الجيش يكتفي بلعب دور الحكم الفاسد الذي يبيع صفارته لمن يدفع أكثر.

تمبول ليست حادثة، بل جرس إنذار بأن هذا التحالف الدموي القذر بين الجيش وميليشياته يقترب من لحظة الانفجار، وأن البلاد على وشك السقوط في حفرة أعمق، حيث لا دولة ولا جيش ولا حتى قناع يستر وجوه القتلة.

اللهم ابتديء التخريب الآن، فإن خرابًا بالحق بناء بالحق.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com