نيالا: حملة “الظواهر السالبة” تعيد الأمن وتنفض الغبار عن الحياة

179
نيالا٣

نيالا – بلو نيوز الإخبارية

في لحظة مهمة من تاريخها القريب تقف مدينة نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور، شاهدة على تحول استثنائي من حالة الفوضى والقلق، إلى مشهد يومي من الاستقرار والنظام.

فبعد أشهر من الانفلات الأمني، وانتشار المظاهر العسكرية، وضجيج الرصاص الذي كان يقتحم ليالي المدينة، أعادت حملة “الظواهر السالبة” الثقة إلى نفوس المواطنين، والحياة إلى قلب المدينة.

الحملة، التي أطلقتها السلطات المحلية في ظل ظروف بالغة التعقيد، لم تكن مجرد إجراء أمني عابر، بل عملية شاملة لتأهيل المدينة أمنيًا وخدميًا، أعادت لنيالا وجهها المدني، وحصنت سكانها من الفوضى التي كادت أن تتحول إلى أمر واقع.

صمت البنادق .. وعودة الطمأنينة

قبل أسابيع فقط، كانت أصوات الطلقات النارية تملأ أجواء المدينة، تعكر صفو الليالي، وتقلق مضاجع الأسر، ولكن اليوم، باتت نيالا تنام بطمأنينة غير مسبوقة، بعد أن تلاشى صوت السلاح واختفت العربات العسكرية العشوائية من الطرقات.

يقول المواطن إسماعيل آدم، المقيم بحي السينما: “كنا نسمع الرصاص كل ليلة، وكان الخوف مسيطر علينا، ولكن الآن بفضل الحملة نمشي في الشارع ليلاً دون قلق، والأسر أصبحت أكثر ارتياحًا، خاصة على أطفالها”

ما وصفه إسماعيل ليس شعورا فرديا، بل انعكاس لحالة عامة بدأت تتكرس في أحياء المدينة المختلفة، حيث انخفضت مستويات التوتر، وعادت الحياة الاجتماعية إلى طبيعتها.

الأسواق تنبض من جديد .. والتجارة تعود

الأسواق كانت من أوائل ضحايا الانفلات الأمني؛ فالإغلاق المبكر والخوف من عمليات النهب أو الاشتباكات المفاجئة، شل الحركة التجارية لأشهر، أما اليوم، فقد عادت أسواق نيالا خاصة سوق الجملة إلى العمل بطاقتها القصوى، وسط ارتياح كبير من التجار والمتسوقين.

يؤكد التاجر يوسف النور، من سوق نيالا الكبير: “كنا نقفل المحلات بدري جدًا، أو نغيب لأيام إذا شعرنا بالخطر، والآن السوق مفتوح طوال اليوم، والبيع رجع طبيعي، والحركة ممتازة”

ويضيف أن الحملة لم تكتفي بضبط الأمن، بل شملت أيضًا تنظيم السوق وتنظيفه، وإبعاد الظواهر السالبة مثل البيع العشوائي والفوضى المرورية.

من عسكرة المدينة إلى سيادتها المدنية

واحدة من أكثر التغييرات لفتًا للنظر هي الاختفاء التدريجي للمظاهر العسكرية من الشوارع، حيث كانت المدينة، قبل انطلاق الحملة، تعيش تحت وطأة “العسكرة”، وأصبحت المشاهد المسلحة مألوفة حتى داخل الأسواق والمدارس.

تقول آمنة خديجة، معلمة بحي طيبة: “زمان كنا نخاف نطلع نشتري حاجة، لأنه في أي لحظة ممكن يحصل إطلاق نار، والآن ما في سلاح ظاهر، وما في عربات مسلحة بتمر في الأحياء”

هذا التحول ساعد في إعادة الشعور بالسيادة المدنية والنظام، وهو مطلب ظل يردده السكان منذ اندلاع الحرب، وازدياد التفلتات

نيالا تنفض الغبار .. والنظام يعود إلى الشوارع

لم تقتصر الحملة على الجوانب الأمنية، بل شملت تحسين المظهر العام للمدينة وتنظيم الخدمات، فقد شهدت نيالا حملات نظافة واسعة، وتنظيمًا للباعة الجائلين، مما خفف من الازدحام، وخلق بيئة أنظف وأكثر ترحيبًا للسكان والزوار.

يقول محمد عيسى، صاحب محل لصيانة الهواتف: “البلد بقت مرتبة والزحمة قلت والناس بقوا محترمين النظام والزبائن بيرجعوا لأنهم مطمئنين”

هذه الجهود أعادت لنيالا ملامحها الأساسية، كمدينة نابضة بالحياة، بعد أن كادت تغرق في الفوضى البصرية والاجتماعية.

الرهان الأكبر: الاستمرارية لا الاستثناء

ورغم ما تحقق، إلا أن سكان المدينة وناشطيها لا يخفون قلقهم من عودة الفوضى إذا لم تستكمل الحملة وتعزز بخطط دائمة، فكما كانت الفوضى سريعة الانتشار، فإن التراخي قد يعيدها بأشكال أكثر تعقيدًا.

يقول أحد الناشطين المحليين – فضل حجب اسمه – إن: “الخطوة إيجابية جدًا، لكنها تحتاج لمتابعة، خصوصًا في الأحياء الطرفية، وتثبيت دعائم القانون. إذا تراجع الجهد، ممكن تعود نفس المشاكل”

نيالا .. أمل في قلب العاصفة

بينما تغرق العديد من المدن السودانية في أتون الحرب والفوضى، تبرز نيالا كحالة إيجابية نادرة تستحق التقدير والتكرار، وتجربة تثبت أن الاستقرار ممكن وأن المواطن السوداني يستحق أن يعيش في بيئة آمنة، خالية من السلاح والفوضى، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والأمنية لذلك.

حملة “الظواهر السالبة” لم تعد فقط الأمن، بل بعثت برسالة قوية بأن المدن السودانية لا تزال قادرة على الحياة، وأن الشعوب المتعطشة للسلام، حين تمنح الفرصة، ستصنع المعجزة.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com