ياسمين المصري: ازدواجية المعايير في خطاب السلطة صراع الوزارات والعرقية ما بين الخرطوم وبورتسودان

164
كامل والبرهان

ياسمين المصري

في ظل استمرار الأزمة السياسية والعسكرية في السودان، ومع التوسع في تموضع سلطات الأمر الواقع بين العاصمة الخرطوم وبورتسودان، يبرز مشهد جديد يعكس عمق الأزمة البنيوية في الحكم وتوزيع السلطة صراع على ست وزارات، منحت للقوات المتحالفة مع سلطة بورتسودان، أثار جدلا واسعا وردود فعل حادة.

قرارات السلطة في بورتسودان بإخراج القوات المشتركة وغيرها من التشكيلات من العاصمة، جاءت وكأنها تصعيد مباشر، أو رد على مطالب هذه القوات بحقها في التمثيل داخل السلطة. ولكن المفارقة الأبرز تكمن في رد فعل مناصري الجيش وبعض السياسيين والنشطاء الداعمين له، الذين هاجموا هذه القوات واتهموها بأنها تحركها الأصابع القبلية، وتريد السيطرة على بورتسودان طمعا في السلطة والثروة، بمجرد أن تم منحها تمثيلا وزاريا.

إن هذا الخطاب، في جوهره، يكشف ازدواجية المعايير التي باتت سمة بارزة في مواقف السلطة القديمة، أو حتى سلطات الأمر الواقع. فعلى مدار أكثر من ثلاثين عاما، تمركزت السلطة والثروة في السودان بيد قلة من النخب المنتمية لإثنيات ومناطق بعينها، دون أن يُطرح ذلك كإشكال يستوجب التقويم. بل على العكس، تم التنظير له ضمن ما سُمي بالخصوصيات الثقافية و الواقعية السياسية. أما حين طالبت مجموعات أخرى بحقها في السلطة، ورفعت مطالبها بناء على ما نُص عليه في اتفاق جوبا (رغم فقدانه للشرعية السياسية والاجتماعية)، تحول الأمر فجأة إلى تهديد للوطن وأجندات قبلية.

ما يجري اليوم في الخرطوم وبورتسودان هو صراع على النفوذ والمواقع، وتستخدم فيه الأطراف أدوات الدولة نفسها، من قرارات الإخلاء إلى اتهامات الانتماء العرقي، لإعادة تموضعها في مراكز القوة. القرارات المتعلقة بإخراج القوات من الخرطوم، لا يمكن فصلها عن الخطاب الموجه ضد الفقراء من سكان العاصمة، والذين يتم استهدافهم ضمن حملات هدم ما يُسمى بالسكن العشوائي، وهو في حقيقته سكن مهمشين من أعراق بعينها.

خروج القوات المشتركة من الخرطوم ستكون له تداعيات عميقة، ليس فقط على التوازنات العسكرية، بل على المشهد السياسي برمته. فهو يعني، بشكل أو بآخر، إعادة إنتاج المركز والهامش داخل العاصمة نفسها، وتكريس لرؤية إقصائية في إدارة الدولة، تتنكر لحقوق من ناضلوا طويلا من أجل التمثيل العادل والمشاركة المتوازنة.

وفي النهاية، فإن استمرار السلطة الحالية في استخدام أدوات الإقصاء العرقي والسياسي، لن يكرس إلا مزيدا من الانقسامات، وسيضع البلاد على مسار تفكك أخطر مما هو عليه اليوم. إن الحاجة الملحة الآن ليست فقط في وقف القتال، بل في مواجهة الروايات الزائفة، وتفكيك خطاب احتكار الوطنية الذي لا يعترف إلا بأهل المركز التاريخي.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com