فاطمة لقاوة: مجلس الأمن والدفاع يدشّن عهد السيادة والإنتاج

1
lagawa

فاطمة لقاوة 

لم يكن إنعقاد الإجتماع الأول لمجلس الأمن والدفاع أمس برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو مجرد محطة إدارية في مسار الدولة السودانية، ولا إجتماعًا إعتياديًا تُتلى فيه القرارات وتُرفع فيه التوصيات، بل مثّل لحظة فارقة في تاريخ السودان الحديث، ولحظة إنتقال من مرحلة الدفاع عن فكرة الدولة إلى مرحلة تأسيسها على أسس جديدة تنبع من إرادة الشعب وتطلعاته نحو السلام والإستقرار والتنمية.

لقد جاءت نيالا، عاصمة حكومة السلام، لتعلن نفسها مركزًا لصناعة القرار الوطني، وحاضنةً لمشروع سياسي وتنموي جديد يطوي صفحات طويلة من التهميش والإقصاء، ويفتح أبواب الأمل أمام ملايين السودانيين الذين ظلوا لعقود ينتظرون دولةً تنظر إليهم بوصفهم شركاء في الوطن لا مجرد أطراف بعيدة عن مركز السلطة يمكن إستغلالها بعد تجهيلها و تهميشها بمنهجية مستمرة.

من قلب هذا الإجتماع التاريخي، برزت ملامح الدولة الجديدة بوضوح؛ دولة القانون التي لا تتهاون مع الجريمة، ودولة الأمن التي تضع سلامة المواطنين فوق كل إعتبار، ودولة المؤسسات التي تدرك أن الإستقرار ليس شِعارًا سياسيًا بل شرطًا أساسيًا للإنتاج والتنمية وإعادة بناء المجتمع.

لقد حملت القرارات الصادرة عن المجلس رسائل بالغة الأهمية، ليس فقط للداخل السوداني، وإنما لكل من يراقب المشهد من الخارج،فالحسم في مواجهة الجريمة وإغلاق الطرق وتعطيل مصالح المواطنين، والتوجيهات الواضحة بحماية الموسم الزراعي وتأمين الموارد الوطنية ومنع تهريبها، تعكس رؤية متكاملة تربط بين الأمن والتنمية، وتؤكد أن معركة بناء الدولة لا تنفصل عن معركة حماية الإقتصاد وتأمين لقمة عيش المواطنين.

في المقابل، كشف المجلس عن وعي عميق بحجم التحديات والمؤامرات التي تستهدف إستقرار البلاد، خاصة تلك المحاولات الرامية إلى إشعال النزاعات القبلية وبث خطاب الكراهية والعنصرية وتخريب الأسواق والإقتصاد الوطني.

التعامل الحاسم مع هذه المخططات لا يمثل مجرد إجراء أمني، بل هو دفاع مباشر عن وحدة السودان ومستقبله، وحماية للنسيج الإجتماعي من محاولات التمزيق التي ظلت تستخدمها قوى الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.

القيمة الحقيقية لهذا الإجتماع لا تكمن فقط في قراراته الأمنية، وإنما في الرسالة السياسية العميقة التي حملها؛ رسالة الإنتقال من دولة المركز المُحتكِر للسلطة والثروة إلى دولة المشاركة والعدالة والتوازن.

السودان الذي عانى طويلًا من إختلالات التنمية وتمركز القرار في دائرة ضيقة، يشهد اليوم بداية مرحلة جديدة تتقدم فيها الأقاليم إلى مقدمة المشهد الوطني باعتبارها شريكًا أصيلًا في صناعة المستقبل.

من هنا يصبح الإنتقال نحو الإنتاج هو العنوان الأبرز لهذه المرحلة،فالأمن ليس غاية في ذاته، وإنما جسرٌ نحو التنمية.

و هنا يتأكد للجميع أن الإستقرار ليس هدفًا منفصلًا، بل بيئة لازمة لإطلاق الطاقات الزراعية والحيوانية والإستثمارية التي يمتلكها السودان، ولهذا جاءت توجيهات المجلس لحماية الموسم الزراعي ودعم الأنشطة الإنتاجية بإعتبارها خطوة عملية نحو بناء إقتصاد حقيقي يستند إلى موارد البلاد وإمكاناتها الهائلة.

لعل ما يبعث على التفاؤل أكثر هو إهتمام المجلس بملف التعليم وإشادته بامتحانات الشهادة السودانية وجهود المعلمين وأولياء الأمور، في رسالة واضحة تؤكد أن مشروع التأسيس الجديد لا يقتصر على الأمن والسياسة، بل يمتد ليشمل بناء الإنسان السوداني وتأهيل الأجيال القادمة لقيادة المستقبل.

ما جرى في نيالا ليس حدثًا إعتيادياً في روزنامة السياسة السودانية، بل هو إعلان بداية مرحلة جديدة عنوانها السيادة والإستقرار والإنتاج.

مرحلة تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين المركز والأقاليم، وبين السلطة والتنمية.

من قلب دارفور، حيث حاولت سنوات الحرب أن تصنع اليأس، تُشرق اليوم إرادة جديدة تحمل معها وعدًا مختلفًا؛ وعدًا بأن يكون السودان وطنًا للجميع، ودولةً للجميع، ومستقبلًا يصنعه أبناؤه بالإرادة والعمل والإنتاج.

هكذا تتقدم نيالا اليوم لتكون أكثر من عاصمة مؤقتة للسلام؛ إنها بوابة العبور إلى الجمهورية الجديدة، وجسر الإنتقال من زمن الأزمات إلى زمن البناء، ومن سنوات التهميش إلى عهد الشراكة الوطنية الكاملة، ومن معارك البقاء إلى مشروع النهضة الشاملة.

ولنا عودة بإذن الله.

What do you feel about this?