تدابير جديدة صارمة من واشنطن تجاه طرفي الحرب .. إلى ماذا يمهد مشروع “قانون المشاركة الأمريكية في سلام السودان”؟
وكالات – بلو نيوز
في خضم الأخبار المتلاحقة عن الحرب السودانية، مرّ خبر تشريعي بالغ الأهمية ربما لا يدرك كثير من السودانيين أبعاده الحقيقية والعميقة؛ ففي الثالث من يونيو الجاري، تقدّم رئيس كتلة النواب الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، النائب غريغوري ميكس (Gregory Meeks)، بمشروع قانون جديد بشأن السودان يحمل الرقم (H.R. 1939) تحت اسم “قانون المشاركة الأمريكية في سلام السودان” (U.S. Engagement in Sudanese Peace Act).
حظي هذا المشروع بدعم نادر ومشترك من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وهو ما يمنحه وزناً سياسياً وثقلاً خاصاً داخل دوائر صنع القرار في واشنطن. ويتضمن المشروع مجموعة واسعة من التدابير الصارمة، تشمل تشديد العقوبات على مرتكبي جرائم الحرب، وفرض إجراءات ضد الجهات التي تعرقل وصول المساعدات، ومنع تصدير الأسلحة إلى الدول الإقليمية التي تدعم طرفي النزاع، إضافة إلى دعم الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية شاملة تقود إلى حكم مدني مستقر. لكن وسط كل هذه البنود، تبرز مادة واحدة تختصر مستقبل السودان بأسره، وهي المادة 204.
المادة 204 بلغة الواقع البسيطة
يبدو نص هذه المادة بالنسبة للبعض مجرد تفصيل عابر، لكنه في الواقع يمثل تحولاً جوهرياً في طريقة التفكير الدولية تجاه الأزمة السودانية، إذ تنص هذه المادة صراحةً في السجل الفيدرالي للكونغرس، وتحت عنوانها الرسمي: “المساعدة في نشر واستدامة قوة تابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو قوة متعددة الجنسيات” (Sec. 204. Assistance to deploy and sustain a United Nations, African Union, or multinational force)، على تفويض وزير الخارجية الأمريكي بتقديم الدعم المالي واللوجستي والسياسي لنشر واستدامة قوة ميدانية تكون مهمتها المباشرة حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة تنفيذ أي اتفاق مستقبلي لوقف إطلاق النار على الأرض، بدلاً من الاكتفاء بالرقابة الدبلوماسية عن بُعد.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن مشروع القانون لا ينص إطلاقاً على إرسال قوات أمريكية إلى السودان، ولا يفرض نشر قوة دولية بصورة تلقائية، بل إن ما يفعله المشروع هو فتح الباب قانونياً وسياسياً وتشريعياً أمام الولايات المتحدة لتكون الداعم والممول الرئيسي لمثل هذه القوة لحفظ السلام وحماية السودانيين إذا تقرر إنشاؤها مستقبلاً عبر الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو تحالف دولي متعدد الجنسيات.
عندما تعجز البنادق
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ظل المجتمع الدولي يكتفي بالدعوات الدبلوماسية الدورية إلى وقف إطلاق النار وإطلاق المفاوضات دون أن يقدم آلية عملية تضمن تنفيذ تلك الدعوات على الأرض، وكانت النتيجة الحتمية انهيار عشرات الاتفاقات والتفاهمات والهدن الورقية المتكررة، الواحدة تلو الأخرى، لأن أياً من الأطراف لم يكن يثق في الطرف الآخر، ولأن أحداً لم يكن موجوداً لمراقبة التنفيذ أو حماية المدنيين.
وهنا تبرز الأهمية البالغة للمادة 204، فهي تنطلق من حقيقة بسيطة وجلية أثبتتها سنوات الحرب، ومفادها أنه لا يكفي التوصل إلى اتفاق على الورق إذا لم توجد جهة محايدة قادرة على مراقبته وضمان تنفيذه، لا سيما أن الحلول العسكرية وصلت إلى طريق مسدود، وبات الطرفان عاجزين عن حسم المعركة ميدانياً.
ولا يقف هذا التحرك عند مجلس النواب فحسب، بل يتكامل تزامناً مع حراك موازٍ في مجلس الشيوخ الأمريكي، إذ قدمت مجموعة من الحزبين، بقيادة الشيوخ جيم ريش، وكريس كونز، وجين شاهين، مسودة “قانون السلام في السودان” (PEACE in Sudan Act) لفرض عقوبات مشددة، مما يؤكد أن الدوائر المؤثرة في واشنطن بدأت تنظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها أزمة لا يمكن حلها بالوسائل التقليدية، وأن حماية الأبرياء تقتضي وجود آلية ميدانية رادعة على الأرض بعد أن فشل خيار الحسم العسكري.
معركة السيادة.. أم معركة البقاء؟
بالتأكيد، يختلف السودانيون حول فكرة وجود قوة دولية أو أفريقية داخل البلاد؛ فهناك من ينظر إليها باعتبارها مساساً بالسيادة الوطنية، بينما يرى آخرون أنها قد تكون الوسيلة الوحيدة المتبقية لحماية المدنيين بعد سنوات من المحرقة المستمرة والانهيار الإنساني الشامل. غير أن ما يصعب إنكاره هو أن الواقع الحالي أثبت فشل جميع الأطراف في توفير الأمن للمدنيين أو ضمان وصول المساعدات أو فرض الالتزام بوقف إطلاق النار، ولذلك فإن النقاش لم يعد يدور حول الرفاهية السياسية للسيادة، بل حول كيفية إنقاذ الدولة والمجتمع من التلاشي والانهيار الكامل.
فإذا تم التوصل مستقبلاً إلى وقف لإطلاق النار، يبرز السؤال الجوهري حول من سيراقب الالتزام به، ومن سيوثق الخروقات، ومن سيؤمّن مرور قوافل الإغاثة إلى المدن المحاصرة، ومن سيمنح ملايين المدنيين الشعور بأن هناك جهة قادرة على حمايتهم من الانتهاكات. وبما أن أرواح البشر أولى بالصون من حدود الخارطة السياسية الجامدة، فإن وجود قوة دولية يصبح خياراً واقعياً وإجبارياً بعد استنفاد كافة البدائل المحلية.
وارتباطاً بهذا الواقع المرير، فإن الرهان لا يمكن أن يظل معلقاً على الإرادة الدولية وحدها، بل يقع على عاتق الشعب السوداني دور تاريخي ومحوري في إنقاذ وطنه عبر تفعيل آليات الثورة ومواصلة الحراك السلمي الجماهيري الجسور ضد هيمنة تنظيم الحركة الإسلامية، وعصابة المتبقي من اللجنة الأمنية، وقائد انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذين اختطفوا الدولة وقادوها إلى هذه الهاوية التدميرية.
طوق نجاة
إن استعادة زمام المبادرة الشعبية وتصعيد المقاومة المدنية ضد هذه الطغمة هما الضمانة الأساسية لتهيئة الأرضية السياسية، وتسهيل أي تطبيق ممكن وعملي للمادة 204 كطوق نجاة أخير لحماية المواطنين وفرض الاستقرار، وذلك عندما تفشل وتُستنفد كل الجهود السلمية والدبلوماسية الرامية إلى وقف حرب الإسلاميين الإجراميين من أجل السلطة ولا شيء غيرها.
إن المادة 204 من مشروع القانون الأمريكي (H.R. 1939) لا تملك عصاً سحرية لإنهاء الحرب غداً، لكن قيمتها الكبرى تكمن في أنها تطرح للمرة الأولى، بصورة تشريعية واضحة، إمكانية وجود قوة دولية أو أفريقية أو متعددة الجنسيات تتولى حماية المدنيين ومراقبة السلام إذا ما توفرت الإرادة السياسية والضغط الشعبي لإنهاء الحرب.
وبالنسبة لملايين السودانيين الذين فقدوا منازلهم وأمنهم ومصادر رزقهم، فالسؤال الأهم الآن هو أن الأكثر أهمية من الذي يحمل السلاح، هو من يستطيع أخيراً إيقافه وإنهاء هذه المأساة الطاحنة.
نقلا عن صحيح السودان.
