أحمد عثمان جبريل: البرهان .. رجل حرب يخشاه السلام
أحمد عثمان جبريل
في الحروب يصعد الرجال على أكتاف الضرورة، لكن السلام يسألهم سؤالاً مختلفاً: هل ما زالت البلاد تحتاج إليكم؟”
ومضة أولى ..
الحرب تصنع رجالاً يبدون أكبر من أدوارهم، لكن السلام وحده هو من يكشف حجمهم الحقيقي حين تُنزع عنهم هالة الضرورة.
لم يعد السؤال في السودان من سيكسب الحرب، بل من سيبقى واقفاً عندما تنتهي. فالحروب، مهما طالت، لا تمنح صكوك البقاء الأبدي لأحد، بل تخلق حقائق جديدة قد ترفع رجالها إلى القمة، وقد تجعلهم أول ضحايا التسويات التي تأتي بعدها.
ومن بين جميع الأسماء التي تدور حولها الأسئلة اليوم، لا يوجد اسم يثير الجدل مثل عبد الفتاح البرهان. فالرجل الذي وجد نفسه على رأس الدولة في واحدة من أكثر مراحل السودان اضطراباً وتعقيداً، يقف اليوم أمام معركة مختلفة تماماً عن المعارك التي تدور في الميدان.. إنها معركة تحديد موقعه في السودان الذي يتشكل بعد الحرب.
(1)
في السياسة لا يقاتل القادة عادة ليغادروا المشهد.. هذه قاعدة تكاد تكون ثابتة في كل تجارب العالم.. ولذلك يبدو من الصعب تصور أن البرهان يخوض حرباً بهذا الحجم ثم يقرر الانسحاب فور توقف إطلاق النار.
فالرجل لا ينظر إلى نفسه بوصفه قائداً عسكرياً فقط، بل باعتباره المسؤول الذي حمل عبء الدولة في لحظة كادت فيها المؤسسات أن تنهار بالكامل.. ومن الطبيعي أن يرى لنفسه دوراً في صياغة مستقبل البلاد بعد الحرب، لا أن يكتفي بتسليم المفاتيح والمغادرة.
(2)
لكن السياسة الدولية تنظر إلى الأمور بطريقة مختلفة.. فالعواصم الكبرى لا تسأل عادة من انتصر في المعركة، بل من يستطيع إدارة السلام. وبين السؤالين مسافة شاسعة.
ولهذا فإن كثيراً من القوى الدولية لا تنشغل كثيراً بمن سيطر على مدينة أو استعاد أخرى، بقدر انشغالها بشكل السلطة التي ستنشأ بعد انتهاء الحرب، ومدى قدرتها على تحقيق الاستقرار ومنع تجدد الصراع.
(3)
هنا تبدأ المعضلة الحقيقية للبرهان. فالرجل يحتاج إلى شرعية داخلية تؤكد أنه لم يكن مجرد قائد حرب، ويحتاج في الوقت نفسه إلى قبول خارجي يسمح بإعادة دمج السودان في العالم واستعادة الدعم والاستثمار والمساعدات.
وهذا التوازن ليس سهلاً، لأن القوى التي تدعمه في الداخل ليست بالضرورة هي القوى التي يفضلها الخارج، كما أن ما يطلبه الخارج ليس دائماً ما يريده الداخل.
(4)
في قلب هذه المعادلة تقف الحركة الإسلامية.. فبعد سنوات من الإبعاد والاستهداف، ثم بعد الحرب الحالية، عادت لتصبح رقماً لا يمكن تجاهله داخل المشهد السوداني.
لكن المشكلة أن كثيراً من القوى الدولية والإقليمية لا تزال تنظر بقلق إلى أي محاولة لإعادتها إلى مركز السلطة.. ولذلك فإن البرهان يجد نفسه أمام سؤال بالغ الحساسية: كيف يحافظ على تحالفاته الداخلية دون أن يفقد فرص القبول الخارجي؟
(5)
لهذا لا يبدو أن الصراع الحقيقي يدور حول وجود الحركة الإسلامية أو غيابها، بل حول حجم دورها في المستقبل.. فهناك من يريدها جزءاً من المشهد السياسي مثل غيرها من القوى، وهناك من يريدها خارج المعادلة تماماً، وهناك من يسعى إلى إعادتها بصورة غير مباشرة من خلال ترتيبات جديدة.
أما البرهان فيحاول حتى الآن إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، فلا يقطع الجسور مع أحد، ولا يمنح أحداً تفويضاً كاملاً باسمه.
(6)
أما الحديث عن قدرة الولايات المتحدة على إبعاد البرهان من المشهد، فهو أكثر تعقيداً مما يبدو.. فواشنطن تملك أدوات ضغط كبيرة، لكنها لا تصنع الوقائع وحدها.
إن أي محاولة لإبعاد البرهان لن تنجح ما لم تجد سنداً داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وما لم تتوافق عليها قوى إقليمية مؤثرة، وما لم يظهر بديل قادر على إدارة المرحلة الانتقالية دون إدخال البلاد في فراغ جديد.
ولهذا فإن السؤال ليس هل تستطيع واشنطن إزاحته، بل هل ترى أن استقرار السودان يمر عبره أم يتطلب تجاوزه؟
(7)
لكن المفارقة الكبرى أن البرهان قد يكون اليوم أقوى مما كان عليه في بداية الحرب، وأضعف مما يبدو في الوقت نفسه.
أقوى لأنه أصبح مركز السلطة الفعلي ورمز الدولة في زمن الحرب.
وأضعف لأن انتهاء الحرب سيحرمه من كثير من المبررات التي منحت وجوده السياسي شرعيته الاستثنائية.
فعندما تصمت البنادق سيبدأ السودانيون في طرح أسئلة أخرى: ماذا عن الاقتصاد؟ ماذا عن الحكم المدني؟ ماذا عن إعادة الإعمار؟ ماذا عن العدالة؟ وماذا عن المستقبل؟
وهنا لن تكون لغة الحرب كافية للإجابة..
ما نود قوله هنا:” أن السودان يقترب من لحظة فاصلة. فالمعركة التي تقترب من نهايتها على الأرض قد تفتح معركة أخرى أكثر تعقيداً فوق طاولة السياسة”.
وحينها لن يكون السؤال: هل انتصر البرهان في الحرب؟.. بل: هل يستطيع البرهان أن ينجو من السلام؟.. فكثير من رجال الحروب هزموا خصومهم في الميدان، ثم هزمهم السلام عندما حان وقت بناء الدولة.. الله غالب
أخيرا ..
وحين يترفق الأفق باتساعه، فهو لا يمنح أحداً امتياز البقاء.. بل يمنح البلاد فرصة ألا تعيد إنتاج انكساراتها.
آخر الومضات ..
هنا .. تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ.
أفقٌ يترفق باتساعه.
غدا في (أفق الحرف) نفكك الإرادة الدولية نفسها تجاه السودان لنبحث السؤال:
واشنطن والبرهان..” هل تبحث أمريكا عن شريك للسلام أم وريث للحرب؟ “.
