ابراهيم مطر: عن تورط العطا في جريمة استخدام السلاح الكيميائي: سقوط الجنرال!  ابراهيم مطر

125
ابراهيم مطر

ابراهيم مطر

لعل من أطرف ما قرأت عن موقف الجيش السوداني وجنراله الذي ينشد – مرغماً – مع الدواعش أناشيد الانقسام والخراب والكراهية، أن (الشعب السوداني عمل جاهداً على تحرير الجيش من براثن الحركة الإسلامية، وبعد جهد جهيد نجح في سحبه من تحت ثقل “وداد” زوجة المخلوع بعد ثورة ديسمبر السلمية. لكن الجيش وعن طواعية واختيار زحف “لينحشر” تحت ثقل “سناء حمد” هذه المرة! وهنا عجز الشعب عن فعل شيء، واتبع الحكمة السودانية المأثورة في أن “مرمي الله ما بترفع”).

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فقد كنا نختبر الحياة ذات طفولة شقية، وكان أحد المتنمرين “الذين لا تكاد تخلو منهم مدرسة” يأمر تلميذاً آخر – هو ضحية معتادة لتنمره – بالانحناء لعظمته! تظاهر الأخير بأنه يؤدي “لعبة ما”، ليدخل رأسه تحت مسند مقعد قريب، وينحني دون أن يلحظه أحد. لكن “وللأسف الشديد”، فقد كان الجميع يرون خضوعه ويسمعونه. وفي تلك اللحظة عرفت وأنا في طفولتي البعيدة تلك، إلى أي درك سحيق، يمكن أن يوصلنا الركون للعجز وقلة الحيلة. وهو بالضبط ما أتذكره حين أرى “ياسر العطا” اليوم يتظاهر بموالاة “الإخوان” عن انحياز وقناعة، وكأنه يملك خياراً آخر!

ولنتأمل موقف “العطا” من آخر ما تتحدث عنه الأخبار، وهو جريمة استخدام الأسلحة الكيميائية، التي ثبتت أو كادت على الجيش، بل تم ذكرها بالأمس القريب من قبل الحكومة الأمريكية، حين طالبت سلطة بورتسودان بالاعتراف بارتكاب الجريمة.

وللمصادفة فما من أحد من قيادات الجيش تحدث عن الأسلحة “المميتة” و”الخاصة”، أو تلك التي تحتاج “لإذ”ن من قائد الجيش شخصياً، سوى الجنرال “ياسر العطا”، الذي هدد بها غير مرة، والفيديوهات التي تثبت ذلك بالصوت والصورة “على قفا من يشيل”.

ويواجه الجيش اليوم اتهامات دولية جدية باستخدام أسلحة كيميائية خلال العام 2024، خاصة غازات مهيّجة وخانقة يُعتقد أنها استُخدمت قرب مناطق مدنية. واستندت التحقيقات إلى تقارير أمريكية، وشهادات ميدانية لمنظمات حقوقية وإعلام دولي.

وفي مايو الماضي أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على حكومة بورتسودان، شملت قيوداً على التعاون العسكري والتمويل والتجارة، بالإضافة إلى تهديدات بعقوبات أوسع قد تشمل أفراداً وجهات مرتبطة بالانتهاكات.

ومن المعلوم أن السودان مُلزم قانونياً بالتعاون في أي تحقيق فني دولي باعتباره عضواً في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وهي الجهة المخوّلة بتأكيد أو نفي وقوع استخدام فعلي لهذه الأسلحة.

وعلى ضوء ما سبق من حقائق، فإن الإفلات من العقاب يبدو “عسيراً” هذه المرة، والقضية تدخل “منعطفا” جديداً، بتحديد أسماء المتورطين المحتملين في المستوي الادني لقيادة الجيش. إذ برز اسم العقيد “أنس يونس” مدير “شركة الموانئ الهندسية السودانية” كجهة مستوردة لبراميل مادة “الكلور” من الهند، مروراً بميناء ‎جدة في المملكة العربية ‎السعودية، وحتى وصولها إلى ميناء ‎بورتسودان. ما ينبئ عن سهولة تتبع السلسلة وصولاً للمستويات العليا حسب ترتيب سلسلة الأوامر في قيادة الجيش، خاصة بعد أن ثبت استخدامها الكلور كسلاح كيميائي – بعد تحويله للحالة الغازية – في مناطق مثل مصفاة الجيلي، بحسب تحقيق لـ”مراقبون فرانس 24″.

الحلقة تضيق إذن على قيادة الجيش، وربما تضيق على “البرهان” شخصياً، إن كان استخدام مثل هذه الأسلحة يحتاج لإذن صريح منه. لكن وبما إن البرهان ليس “صدام حسين” ليتحمل المسؤولية عن هكذا جريمة ليبرئ ساحة غيره، فأغلب الظن إنه سيضع اللوم على من استخدم تلك الأسلحة “دون علمه”، للنجاة بنفسه. فيا ترى من يتبقى من قيادة الجيش ليكون المرشح الأول وكبش الفداء لتلقي اللوم عن تلك الجريمة؟

من هو الضابط الذي يستطيع أن يعطي التعليمات باستخدام السلاح المحرم بعلم البرهان أو بدونه؟ أهو “الكباشي” عراب اتفاق “المنامة” الذي يحرص على أن يظهر للمجتمع الدولي بمظهر جنرال “عقلاني” يقبل الأخذ والرد؟ والمتهم في ذات الوقت بتسريب المعلومات عن استخدام ذات الأسلحة الكيميائية للخارج؟ هل تتجه الشكوك نحوه؟ أم يا ترى سيتحملها “مفضل” الذي حرص ومنذ بداية الحرب على أن يبدو كمن يقوم بمهام رئيس الوزراء، وإدارة الخدمة المدنية بعيداً عن ميادين القتال؟

كبش الفداء في جريمة استخدام الجيش للسلاح الكيميائي سيكون هو “ياسر العطا” بلا ريب هذه المرة، ولعل معرفته لمصيره منذ انتشار الفيديوهات التي تظهر عدد من جنود الجيش وهم يقومون باستخدام السلاح المحرم، هي ما يدفعه للبقاء في مركب الإخوان الغارقة، بعد أن عرف ألا عاصم له اليوم من يد العدالة حال التعاون مع المجتمع الدولي، في التحقيق حول جريمة الكيمياوي. إنها أهازيج اليأس يا سعادة الجنرال!

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com