الإخوان المسلمون والحرب الأهلية في السودان: جذور الأزمة وتشابكاتها الإقليمية والدولية

9
الاخوان في السودان

وكالات – بلو نيوز الإخبارية

مقدمة

تتواصل فصول الحرب الأهلية السودانية وسط مساعٍ إقليمية ودولية لوقف النزاع وإعادة السودان إلى مسار التحول المدني. وبين خلفيات الصراع الراهن وتعقيداته، يبرز الدور التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين وبقايا النظام السابق باعتبارهما أحد المحاور المركزية في زعزعة استقرار الدولة، وفق تقديرات سياسية ودولية عديدة.

“شكّل تمدّد الإخوان المسلمين في السودان منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى انقلاب 1989 حجر الأساس لعدم الاستقرار السياسي، حيث رسّخت الجماعة نظاماً قمعياً تبنى التطرف، واستضاف شخصيات إرهابية، وأسهم في عزل السودان دولياً لعقود.”

هذا التقرير يرصد جذور النفوذ الإسلامي السياسي في السودان، وتأثيره على مسار الدولة منذ التسعينيات، وصولاً إلى موقعه في الحرب الحالية، مع التطرق للتحركات الأمريكية والسعودية، بما في ذلك تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول حظر الإخوان وإعادة تشكيل الوضع الأمني في السودان.

الإخوان المسلمون في السودان: تمدّد أيديولوجي يعيد صياغة المشهد السياسي

دخلت أيديولوجيا الإخوان المسلمين إلى السودان منذ خمسينيات القرن الماضي، عبر علاقة سياسية وتنظيمية وثيقة مع الجماعة الأم في مصر. ومع مرور العقود، تحولت تلك الأفكار إلى مشروع سياسي متكامل داخل مؤسسات الدولة، حتى بلغت ذروتها بوصول الإسلاميين إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989 بقيادة عمر البشير.

نقطة التحول: انقلاب 1989

قاد البشير وحلفاؤه الإسلاميون انقلابًا عسكريًا أطاح بالحكومة المنتخبة، لتبدأ مرحلة وصفت بأنها الأكثر قمعًا وتشدداً في تاريخ السودان الحديث، من خلال:

تطبيق قوانين دينية متشددة أثّرت على النساء والمجتمع المدني.

محاكمات ورجم وبتر أطراف ضمن منظومة “الشريعة الإسلامية” المطبقة سياسيًا.

عسكرة المجتمع وتغلغل الجهاز الأمني في كل مفاصل الدولة.

احتضان جماعات جهادية وإيواء أسامة بن لادن بين عامَي 1991 و1996.

وقد شكّل هذا الاحتضان نقطة تحول عالمية؛ إذ فشلت إدارة كلينتون في اعتقال بن لادن قبل انتقاله لأفغانستان، لتتوالى العمليات الإرهابية التي غيّرت وجه العالم — وصولاً إلى هجمات 11 سبتمبر.

من العزلة إلى الثورة: العقوبات الأمريكية وانهيار حكم البشير

فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على السودان خلال عهد البشير، شملت عزلاً اقتصادياً وسياسياً امتد لسنوات. ومع تدهور الوضع الاقتصادي وتصاعد الغضب الشعبي، تفجرت ثورة ديسمبر 2018، التي أنهت ثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي.

مرحلة حمدوك: انفتاح جديد على الغرب

بعد سقوط البشير، تولت حكومة مدنية انتقالية بقيادة عبد الله حمدوك، اتجهت إلى:

تفكيك مؤسسات النظام السابق ومحاربة الفساد.

التعاون مع الولايات المتحدة ورفع السودان من قائمة الإرهاب.

تعزيز العلاقات مع دول الخليج، وخاصة الإمارات والسعودية.

الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، في خطوة حاسمة لفك إرث العداء للإقليم والعالم.

كانت تلك المرحلة توصف دوليًا بأنها “فرصة تاريخية” لتحويل السودان إلى نموذج ديمقراطي إقليمي، لكن بقايا النظام القديم والإخوان المسلمين ظلوا فاعلين في المشهد، وسرعان ما تحوّل الصراع السياسي إلى نزاع مسلح دمّر البلاد.

الحرب الحالية: إعادة تموضع الإخوان في مشهد مضطرب

مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، عادت شبكات الإخوان إلى الواجهة عبر دعم بعض مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية ومحاولة استعادة السلطة التي خسروها بعد ثورة 2019.

“تكشف الحرب السودانية الراهنة عن صراع بين مشروع دولة مدنية ديمقراطية يسعى إليها الشعب، ومشروع الإسلام السياسي الذي يحاول إعادة إنتاج نفوذه عبر مؤسسات الدولة المنهارة، في ظل ضغوط دولية واتهامات خطيرة وانهيار أمني غير مسبوق.”

ورغم نفي الجيش الرسمي لاتهامات التمكين، تشير تقارير بحثية إلى أن بقايا الحركة الإسلامية تعتبر الحرب فرصة لإعادة بناء نفوذها في الدولة، بينما تتهم قوى مدنية الإخوان بتأجيج الصراع ومنع أي مسار للعودة المدنية.

ترامب يدخل على الخط: وعود بحظر الإخوان وإنهاء الحرب

في سياق النقاش الأمريكي حول الإرهاب وأمن الشرق الأوسط، عاد السودان إلى الواجهة خلال خطاب للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي تعهد — وفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية — بالعمل على:

حظر جماعة الإخوان المسلمين داخل الولايات المتحدة.

دعم جهود إنهاء الحرب الأهلية السودانية.

إعادة تشكيل توازنات الأمن الإقليمي بالتعاون مع السعودية وإسرائيل.

وبرغم الجدل الواسع حول تصريحاته، فإن ذكر السودان في سياق مكافحة الإرهاب يعكس حجم المخاوف الغربية من عودة الجماعات المتطرفة إلى الساحة السودانية في ظل غياب الدولة وانهيار المؤسسات.

السودان بين ضغوط الخارج والانقسامات الداخلية

اليوم، يقف السودان عند مفترق طرق خطير:

حرب واسعة دمّرت العاصمة وعدداً من الولايات.

تدخلات إقليمية متشابكة.

عودة محتملة لرموز النظام السابق.

مخاوف دولية من انتشار الجماعات المتطرفة.

وعقوبات أمريكية وأوروبية مرتبطة بملفات خطيرة، بعضها يتعلق باتهامات لاستخدام أسلحة كيميائية خلال الصراع.

ورغم كل ذلك، تبقى الأزمة السودانية رهينة حل سياسي شامل يشارك فيه المدنيون، ويحيّد القوى المتشددة، ويعيد بناء الدولة على أسس جديدة تمنع تكرار نزيف العقود الماضية.

خاتمة

تكشف دراسة دور الإخوان المسلمين في الحرب السودانية أن الأزمة ليست مجرد مواجهة بين طرفين مسلحين، بل صراع ممتد بين مشروعين:
مشروع دولة مدنية ديمقراطية يسعى السودانيون لإقامتها منذ ثورة 2019، ومشروع الإسلام السياسي الذي ظل عقبة أمام الاستقرار لعقود.

وبين التدخلات الدولية وتعقيدات الداخل، لا يزال السودان يبحث عن طريقه نحو السلام، في وقت يراقب فيه العالم تطورات المشهد خشية أن يتحول إلى نسخة جديدة من النزاعات التي أعادت تشكيل خرائط المنطقة لعقود.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com