أوروبا لا تشتري رواية “انتهاء الحرب”: الخرطوم عاصمة مستعادة أمنياً .. لا مستقرة سياسياً

1
kh

لا تقيس العواصم الأوروبية نهاية الحرب في السودان بمن يسيطر على القصر الجمهوري، بل بمن يستطيع ضمان أمن العاصمة وسمائها ومطاراتها وطرقها. لذلك، فإن تأخر عودة السفارات إلى الخرطوم لا يبدو قراراً إدارياً عابراً، بل رسالة سياسية واضحة: الحرب لم تنتهِ بعد، والسيطرة العسكرية لا تكفي لإعلان الاستقرار.

وكالات – بلو نيوز

ليس مهماً، في الحسابات الدولية، من يسيطر على القصر الجمهوري في الخرطوم، بقدر ما هو مهم من يصدق أن السيطرة عليه تعني نهاية الحرب.

هذا هو جوهر القراءة التي يطرحها تقرير منصة أفريكا إنتليجنس بشأن استمرار تأخر عودة السفارات الأوروبية إلى الخرطوم، رغم مساعي سلطة بورتسودان لإقناع البعثات الدبلوماسية بالعودة إلى العاصمة التي استعاد الجيش السيطرة عليها. فبحسب التقرير، لا تزال البعثات الأوروبية تفضل العمل من عواصم الجوار، في مؤشر دبلوماسي بالغ الدلالة على أن الخرطوم، في نظر العواصم الغربية، لم تخرج بعد من دائرة الخطر. (Africa Intelligence)

يمثل هذا الموقف ضربة سياسية لمحاولات السلطة القائمة في بورتسودان تحويل التقدم العسكري في الخرطوم إلى اعتراف دبلوماسي كامل بشرعيتها. فالعودة الدبلوماسية لا تُمنح عادةً بوصفها مجاملة سياسية، بل تأتي باعتبارها تتويجاً عملياً لعودة الاستقرار، وتأكيداً بأن الدولة المضيفة قادرة على حماية البعثات وتأمين حركتها ومقارها وخطط إجلائها عند الطوارئ.

لكن الرسالة الأوروبية تبدو واضحة: السيطرة على المباني السيادية لا تعني بالضرورة السيطرة على مسار الحرب. فالعواصم الغربية لا تنظر إلى استعادة الخرطوم باعتبارها نهاية الصراع، بل تراها فصلاً جديداً في حرب لم تُحسم بعد، خاصة أن قوات الدعم السريع، رغم انسحابها من العاصمة، لم تفقد القدرة على إرباك المشهد الأمني عبر الهجمات بعيدة المدى والتكتيكات غير المتماثلة.

وتضاعفت هذه المخاوف مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة، خصوصاً بعد استهداف مطار الخرطوم ومواقع أخرى في العاصمة خلال مايو 2026، وهي هجمات ربطتها السلطات السودانية باتهامات طالت إثيوبيا والإمارات، بينما نفت أديس أبابا تلك الاتهامات. وقد أدى ذلك إلى رفع مستوى المخاطر من تهديد داخلي إلى احتمال تشابك إقليمي أوسع. (Reuters)

في مثل هذا السياق، تصبح فكرة إنشاء “منطقة خضراء” آمنة للدبلوماسيين في الخرطوم أقرب إلى الوهم منها إلى الخطة القابلة للتنفيذ. فالسفارات لا تحتاج فقط إلى حراسة أمامية أو مبانٍ مؤمنة، بل إلى مطار آمن، وطرق سالكة، ومجال جوي يمكن التحكم فيه، وقوات حماية موثوقة، وقدرة سريعة على الإخلاء الطبي والأمني. وهذه شروط لا يبدو أن الخرطوم قادرة على توفيرها بصورة تقنع العواصم الأوروبية حتى الآن.

الأكثر خطورة أن الحرب السودانية لم تعد حرب سيطرة على العاصمة وحدها، بل تحولت إلى صراع استنزاف طويل، تتداخل فيه المسيّرات، والاقتصاد المنهار، وشبكات التمويل الخارجي، والموارد، والشرعية السياسية، وتعدد سلطات الأمر الواقع. وهذا ما يجعل أوروبا تتعامل مع السودان كدولة لا تزال داخل الحرب، لا كدولة دخلت مرحلة ما بعد الحرب.

وتدعم هذه القراءة مؤشرات اقتصادية بالغة القسوة؛ إذ حذر تحليل صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية في أبريل 2026 من أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء بأكثر من ثلاثة عقود، وأن الفقر المدقع قد يطال 60% من السكان بحلول عام 2030 إذا استمر النزاع. (UNDP)

وبهذا المعنى، فإن تأخر السفارات الأوروبية ليس مجرد تحفظ أمني، بل موقف سياسي واستراتيجي. إنه يقول إن الخرطوم لم تستعد بعد اليقين الأمني الكافي، وإن رواية “النصر” لا تزال أضعف من أن تقنع العواصم الغربية بإعادة دبلوماسييها إلى مدينة يمكن أن تهتز مجدداً بضربة مسيّرة أو اختراق أمني أو تجدد مفاجئ للمعارك.

الخلاصة أن أوروبا لا تكذب الخرائط العسكرية، لكنها لا تعتبرها دليلاً كافياً على نهاية الحرب. فالسيطرة على الخرطوم قد تمنح الجيش مكسباً ميدانياً مهماً، لكنها لا تمنح البلاد سلاماً مستقراً، ولا توفر وحدها الضمانات التي تحتاجها السفارات للعودة.

ولهذا، سيظل غياب البعثات الأوروبية عن الخرطوم واحداً من أوضح المؤشرات الدولية على أن الحرب السودانية، رغم كل التحولات العسكرية، لم تصل بعد إلى محطتها الأخيرة.

What do you feel about this?