خطاب “ترك” وصمت الجيش يشعلان توتر كسلا ويكشفان هشاشة السلم الأهلي في شرق السودان

3
terk

كشفت التوترات القبلية التي شهدتها مدينة كسلا هذا الأسبوع هشاشة السلم الاجتماعي في شرق السودان، وسط اتهامات متبادلة بين مكونات أهلية، وانتقادات لصمت السلطات المحلية والاتحادية تجاه خطاب قبلي أثار مخاوف من عودة العنف، في منطقة عانت خلال السنوات الماضية من نزاعات دامية وتسييس متصاعد للهويات.

متابعات – بلو نيوز

أعادت التوترات القبلية التي شهدتها مدينة كسلا هذا الأسبوع ملف السلم الأهلي في شرق السودان إلى واجهة المشهد، وسط مخاوف متزايدة من تجدد النزاعات المحلية في منطقة ظلت، خلال السنوات الماضية، عرضة للاحتقان القبلي وتسييس الهويات وضعف قدرة الدولة على إدارة التنوع الاجتماعي.

وبدأت الأزمة عقب خطاب ألقاه ناظر الهدندوة، سيد محمد الأمين ترك، بحضور وزير الداخلية الفريق بابكر سُمرة ووالي كسلا الصادق الأزرق، دعا فيه إلى ترسيم الحدود بين القبائل، وتجديد اتفاق “القلد” الموقع سابقاً في ولاية البحر الأحمر، إلى جانب مطالبته بتحديد مكونات البجا وحدود قبيلته مع القبائل الأخرى.

ورغم أن هذه المطالب ليست جديدة في سياق شرق السودان، إلا أن توقيتها وطريقة طرحها أثارا ردود فعل واسعة، خاصة في ظل حضور مسؤولين حكوميين رفيعين، من دون تدخل واضح لاحتواء الخطاب أو منع تحوله إلى مصدر جديد للتوتر بين المكونات الأهلية.

وفي اليوم التالي، عقدت نظارة البني عامر مؤتمراً صحفياً طالبت فيه رئيس مجلس السيادة بمحاسبة وزير الداخلية وإقالته إذا لزم الأمر، معتبرة أن صمته على ما وصفته بالإساءات يمثل انحيازاً لطرف على حساب آخر، كما اتهمت والي كسلا بالتقاعس عن مواجهة خطاب الكراهية ومنح غطاء سياسي لمن يروج له.

ورحبت نظارة البني عامر، في الوقت ذاته، بمبدأ ترسيم الحدود ومراجعة الهوية، لكنها أشارت إلى خرق اتفاقات سابقة تم التوصل إليها بمبادرة أبناء البجا في الخدمة العامة، الأمر الذي يعكس شعوراً متنامياً بغياب الضمانات الرسمية وعدم احترام الالتزامات السياسية والإدارية السابقة.

وتأتي هذه التطورات في سياق تاريخي معقد، إذ شهدت ولايات شرق السودان خلال عامي 2019 و2020 اشتباكات قبلية دامية خلفت عشرات القتلى والجرحى، قبل أن توقع 11 نظارة وكياناً مجتمعياً، في أكتوبر 2023، اتفاقاً يهدف إلى نبذ خطاب الكراهية والالتزام بالقلد وعقد مؤتمر جامع لشرق السودان.

غير أن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن تلك التفاهمات لم تنجح في معالجة جذور الأزمة، وأن التوترات القبلية في شرق السودان ما تزال قابلة للاشتعال عند أول احتكاك، في ظل غياب آليات رسمية فاعلة للمتابعة والمحاسبة ومنع التحريض.

وفي خضم التصعيد، أعلن الناظر ترك عزمه عقد مؤتمر صحفي للرد على ما ورد في مؤتمر نظارة البني عامر، وهي خطوة يخشى مراقبون أن تزيد من حدة الاستقطاب ما لم تُدار بحكمة ومسؤولية.

في المقابل، دعت الصحفية عازة إيرا إلى تدخل عاجل من حكماء شرق السودان والقيادات الأهلية ذات الوزن التاريخي، معتبرة أن ما يجري يمثل احتقاناً خطيراً يتطلب موقفاً واضحاً يرفض خطاب الكراهية ويمنع تسييس الإدارة الأهلية.

وانتقدت إيرا مشاركة وزير الداخلية في اللقاء، ووصفتها بأنها سوء تقدير لطبيعة المنبر وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات على السلم الاجتماعي، مشيرة إلى أن انتشار خطاب الكراهية وسط صمت الأجهزة الأمنية قد يُفهم بوصفه إقراراً ضمنياً أو تواطؤاً سياسياً.

ويرى مراقبون أن ما يجري في كسلا يتجاوز حدود الخلاف بين نظارتين، ليكشف أزمة أعمق تتعلق بغياب دور الدولة في ضبط الخطاب العام، وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة التنوع القبلي في منطقة شديدة الحساسية، خاصة في ظل الحرب التي أضعفت مؤسسات الدولة ووسعت فراغ السلطة.

كما تعكس الأزمة خطورة تسييس الإدارة الأهلية وتحويلها من أداة للتعايش وحل النزاعات إلى ساحة للتنافس السياسي والاصطفاف الاجتماعي، وهو ما قد يهدد السلم الأهلي ويفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف.

وتبدو كسلا اليوم نموذجاً مصغراً لأزمة وطنية أوسع: دولة منشغلة بالحرب، ومجتمع محاصر بالاستقطاب، ونخب أهلية وسياسية تتصارع على النفوذ في فراغ إداري وأمني متزايد. وما لم تُتخذ خطوات عاجلة لاحتواء التوتر، ووقف خطاب الكراهية، وإطلاق مسار جاد للمصالحة والعدالة المجتمعية، فإن شرق السودان قد يعود إلى مربع العنف في وقت لا يحتمل فيه السودان مزيداً من النزاعات.

What do you feel about this?