هيومن رايتس ووتش: تغيير المعسكر لا يعفي قادة الدعم السريع المنضمين للجيش من المساءلة
دعت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى إخضاع قادة منشقين عن قوات الدعم السريع، التحقوا مؤخراً بالجيش السوداني، لتحقيقات مستقلة بشأن اتهامات تتعلق بارتكاب انتهاكات خطيرة خلال الحرب، مؤكدة أن تغيير الانتماء العسكري لا ينبغي أن يكون مدخلاً للإفلات من العدالة أو تجاوز حقوق الضحايا.
وكالات – بلو نيوز
في لحظة تتزايد فيها المخاوف من اتساع دائرة الإفلات من العقاب في السودان، جاءت دعوة منظمة هيومن رايتس ووتش لمحاسبة قادة منشقين عن قوات الدعم السريع التحقوا بالجيش، لتسلط الضوء على واحدة من أكثر المعضلات الأخلاقية والقانونية تعقيداً في مسار الحرب السودانية.
فالتحولات العسكرية وانضمام قادة من طرف إلى آخر لا تعفي، بحسب المنظمة، من المسؤولية عن الانتهاكات السابقة، ولا تلغي حق الضحايا في العدالة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقيادات متهمة بالمشاركة في عمليات عسكرية ارتبطت بجرائم خطيرة في دارفور ومناطق أخرى.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن علي رزق الله، المعروف باسم “السافنا”، واللواء النور أحمد آدم، المعروف باسم “النور القبة”، اللذين انضما إلى القوات المسلحة خلال الأشهر الماضية، ينبغي أن يخضعا لتحقيقات مستقلة بشأن أدوارهما في العمليات العسكرية بدارفور، بما في ذلك الهجمات الواسعة التي شهدتها مدينة الفاشر خلال فترة حصار امتدت نحو 18 شهراً.
وأكدت المنظمة أن تغيير الانتماء العسكري “لا ينبغي أن يكون سبباً للإفلات من العدالة”، في إشارة إلى أن انتقال القادة من قوات الدعم السريع إلى صفوف الجيش لا يمحو المسؤوليات القانونية المرتبطة بالأفعال التي يُشتبه في ارتكابها قبل الانشقاق.
وقال محمد عثمان، الباحث المعني بالسودان في هيومن رايتس ووتش، إن “الضحايا يستحقون العدالة”، مشدداً على أن انتقال القادة بين أطراف النزاع لا يمكن أن يشكل غطاءً يحول دون محاسبتهم.
ويعكس هذا الموقف قلقاً متزايداً لدى المنظمات الحقوقية من أن سياسة العفو التي أعلنها الجيش منذ الأيام الأولى للحرب قد تُستخدم لتجاوز المساءلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقيادات لعبت أدواراً مؤثرة في عمليات عسكرية وثقت فيها انتهاكات واسعة.
وتبرز قضية النور القبة والسافنا ضمن سياق أوسع من الانشقاقات التي شهدتها قوات الدعم السريع منذ عام 2024، حيث انضم عدد من القادة البارزين إلى الجيش، بعضهم بعد سنوات من المشاركة في عمليات اتُّهمت خلالها قواتهم بارتكاب جرائم خطيرة.
ففي مايو 2026، أعلن السافنا انشقاقه بعد مشاركته في معارك بكردفان ودارفور، بينما سبقه النور القبة بشهر واحد، وهو الذي أشارت تقارير سابقة إلى دوره القيادي في إدارة العمليات العسكرية بالفاشر منذ أبريل 2024.
ورغم الترحيب العلني الذي أبداه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بانضمام القبة، وظهور السافنا في مؤتمر صحفي مرتدياً زي الجيش، فإن هذه الخطوات أثارت قلقاً واسعاً بين منظمات حقوق الإنسان، التي ترى أن دمج قادة متهمين بارتكاب انتهاكات دون تحقيقات شفافة يقوض الثقة في مسار العدالة، ويبعث برسائل مقلقة للضحايا.
وقال آدم موسى، مدير منظمة دعم ضحايا دارفور، إن ظهور المنشقين في الخرطوم دون مساءلة يضعف الثقة في مسار العدالة، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الحقوقية إلى عدم تحويل الانشقاقات العسكرية إلى مداخل للعفو غير المعلن.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة سابقة أبو عاقلة كيكل، الذي انشق عن قوات الدعم السريع في أكتوبر 2024 وانضم إلى الجيش، قبل أن توثق منظمات حقوقية انتهاكات جديدة قالت إن قواته ارتكبتها في ولاية الجزيرة مطلع عام 2025. ورغم فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليه في يوليو 2025، لا توجد معلومات علنية عن فتح تحقيقات رسمية بشأن الانتهاكات المنسوبة إليه، سواء خلال فترة عمله مع الدعم السريع أو بعد انتقاله إلى الجيش.
وتشير مصادر متعددة إلى أن النور القبة يواجه اتهامات تتعلق بإصدار أوامر باستهداف معسكرات للنازحين وقصف مناطق مدنية خلال حصار الفاشر، استناداً إلى تسجيلات صوتية متداولة. كما تتحدث المصادر عن صلات مبكرة بينه وبين الجيش قبل إعلان انشقاقه، ما يثير تساؤلات حول طبيعة دوره خلال مراحل الحرب المختلفة.
أما السافنا، فتلاحقه اتهامات بالضلوع في عمليات قتل ونهب وعنف جنسي، إلى جانب إجراءات قانونية بدأها تجار وسكان من مدينة النهود بعد اتهامه بالمشاركة في عمليات نهب واسعة.
وفي ظل هذه الاتهامات، تؤكد هيومن رايتس ووتش أن السودان ملزم، بموجب القانون الدولي، بالتحقيق مع المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بغض النظر عن انتماءاتهم الحالية أو مواقعهم العسكرية الجديدة.
كما دعت المنظمة إلى توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل كامل الأراضي السودانية، مشيرة إلى أن الاختصاص الحالي للمحكمة محصور في دارفور بموجب قرار مجلس الأمن الصادر عام 2005.
وتثير هذه الدعوات سؤالاً محورياً حول كيفية التوفيق بين متطلبات الحرب واستحقاقات العدالة، خاصة في ظل استمرار انضمام شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات إلى صفوف الجيش. فبينما تتغير التحالفات وتتبدل مواقع القادة، تؤكد المنظمات الحقوقية أن العدالة لا تسقط بتغيير المعسكرات، وأن المساءلة تظل استحقاقاً قائماً لا يمكن تجاوزه عبر التسويات السياسية أو التحالفات العسكرية.
وفي المحصلة، تكشف هذه القضية عن معضلة أعمق تواجه السودان: كيف يمكن بناء مسار عدالة حقيقي في ظل حرب مستمرة، وانقسامات سياسية حادة، وواقع ميداني تتداخل فيه الولاءات العسكرية مع الحسابات السياسية؟ وبينما يطالب الضحايا بالإنصاف، يبقى مستقبل العدالة مرهوناً بقدرة المؤسسات السودانية والدولية على التعامل مع هذه الملفات بجدية، ومواجهة منطق الإفلات من العقاب، أياً كان موقع المتهمين أو الجهة التي انضموا إليها.
