كواليس أديس أبابا: اتهامات لبن شمباس بتحويل مشاورات الخماسية من وساطة محايدة إلى مسار مثير للجدل
متابعات – بلو نيوز
في لحظة كان يُفترض أن تمثل خطوة نحو بناء مسار سياسي سوداني أكثر تماسكاً، كشفت وقائع اجتماعات أديس أبابا عن أزمة ثقة متصاعدة بين عدد من القوى المدنية ورئيس الآلية الخماسية، محمد بن شمباس، بعد اتهامه من قبل مصادر مشاركة في اللقاءات بممارسة ما وصفته بـ“الغش والخداع السياسي”، ومحاولة توجيه مسار المشاورات بما يخدم أطرافاً بعينها.
وقالت ثلاثة مصادر سياسية مطلعة، وفق ما أوردته جريدة ديسمبر، إن الخلاف بدأ عندما أبلغت الآلية الخماسية ممثلي القوى المدنية بتراجعها عن دعوة تنسيقية القوى الوطنية بقيادة محمد سيد أحمد “الجكومي”، وأن حضوره سيقتصر على لقاء تنويري عقب انتهاء الاجتماعات الرسمية.
غير أن المشاركين فوجئوا، بحسب المصادر ذاتها، بأن الجكومي سيكون ضمن الحاضرين في اجتماع الخامس من يونيو، بما يعني عملياً إدراجه ضمن جدول المشاورات الرسمية، وهو ما اعتبرته قوى مدنية محاولة لفرض مشاركة طرف مثير للجدل من دون توافق مسبق.
ولم يقتصر الاعتراض على تحالف صمود، بل شمل أيضاً الكتلة الديمقراطية، التي أبلغت الآلية رسمياً رفضها مشاركة الجكومي. وترى المصادر أن هذا التوافق بين مجموعتين تختلفان في مواقفهما السياسية يعكس حجم القلق من الطريقة التي أدارت بها الآلية ملف الدعوات، ومنح بعض الأطراف مساحة أكبر من غيرها دون مبررات واضحة.
وبحسب المصادر، فإن ما وصفته بـ“الغش” لم يبدأ في أديس أبابا، بل سبقته تعديلات على قوائم المدعوين دون علم بعض المشاركين. فقد فوجئ ممثلو حزب المؤتمر الشعبي الأصل بوجود أسماء من الجناح المنقسم الداعم للجيش ضمن الوفد، رغم عدم إدراجهم في القائمة الرسمية التي تسلمها الحزب.
وقالت المصادر إن تسلسل الأرقام في قوائم التأشيرات كشف وجود مدعوين إضافيين، الأمر الذي دفع ممثل المؤتمر الشعبي الأصل إلى التهديد بمقاطعة الاجتماع إذا تم اعتماد مشاركة المنقسمين باسم الحزب.
وتصاعد التوتر صباح الثالث من يونيو، حين التقت القوى المدنية الرافضة للحرب بن شمباس لإبلاغه احتجاجها على طريقة إدارة الدعوات. ووفقاً للمصادر، فإن رد بن شمباس جاء حاداً، إذ أكد أن الاتحاد الإفريقي هو الجهة المسؤولة عن الملف بعد تجميد عضوية السودان، وأن من حق الآلية دعوة من تشاء، مضيفاً أنه “لا يمتلك وقتاً” لمزيد من النقاش.
واعتبرت المصادر أن هذا الرد مثّل رسالة واضحة بأن اعتراضات القوى المدنية لن تؤخذ في الاعتبار، ما دفع بعض المشاركين إلى القول إنهم “يمتلكون الوقت الكافي لحل أزمة بلادهم دون وساطته”.
وبعد هذا اللقاء، قالت المصادر إن بن شمباس حاول إقناع الكتلة الديمقراطية بحضور الجلسة الافتتاحية رغم مقاطعة قوى مدنية أخرى، إلا أن الكتلة رفضت، مؤكدة أنها لن تكرر تجربة “حوار روتانا” في عام 2022، وأن مشاركتها مشروطة بحضور جميع الأطراف المعنية.
وتشير المصادر إلى أن التوتر لم يتوقف عند حدود الخلاف حول الدعوات، بل امتد إلى محاولات قالت إنها استهدفت تعطيل تسليم الوثيقة المشتركة التي توصلت إليها القوى المدنية والكتلة الديمقراطية. ووفقاً للمصادر، فقد حاولت شخصيات مرتبطة بسلطة بورتسودان، من بينها تاج الدين بانقا، الوصول إلى القاعة التي نُقل إليها الاجتماع بعد تغيير مكانه، ما أدى إلى احتكاك مع عناصر الأمن قبل إبعادهم.
وأضافت المصادر أن المجموعة نفسها حاولت لاحقاً تعطيل التقاط الصورة التذكارية للموقعين على الوثيقة، عبر المطالبة بالانضمام إليها باعتبارهم “مشاركين”، غير أن المحاولة لم تنجح.
ودفعت هذه الوقائع، بحسب المصادر، عدداً من المشاركين إلى توجيه انتقادات مباشرة لبن شمباس، متهمين إياه بدعوة “مجموعات معروفة بممارسة العنف السياسي”، وتجاهل التحذيرات المسبقة بشأن حضورها، ومحاولة فرض مشاركتها إما عبر الضغط المباشر أو دفع أطراف أخرى إلى الانسحاب.
وتكشف هذه التطورات عن أزمة أعمق تتجاوز مجرد خلاف إجرائي حول قوائم الحضور، لتلامس جوهر العلاقة بين القوى المدنية والآلية الدولية المعنية بالملف السوداني. فبينما يفترض أن تلعب الخماسية دور الوسيط المحايد، يرى مشاركون أن ما جرى في أديس أبابا عكس انحيازاً واضحاً ومحاولة لإعادة إنتاج مسارات سياسية سابقة لم تحقق اختراقاً حقيقياً في الأزمة السودانية.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الانقسامات السياسية، تبدو الحاجة إلى وسيط موثوق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. غير أن الثقة التي تآكلت خلال اجتماعات أديس أبابا قد تجعل مهمة بناء مسار سياسي جامع أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.
