دكتور الوليد مادبو: الأبيض .. من الجغرافيا الاقتصادية إلى الجغرافيا العسكرية.

3
madbo

دكتور الوليد آدم مادبو

قراءة في الاقتصاد السياسي للحظة الفارقة التي قد تفصل بين انهيار النظام وانهيار الدولة في السودان

ليست كل الأزمات التاريخية سواء. فبعضها يمر على الدول كما تمر العواصف على سطح الجسد السياسي: تهزّه، تجرحه، لكنها لا تغيّر بنيته العميقة. تسقط حكومات وتأتي أخرى، تتبدل التحالفات، وتبقى الدولة، رغم الإرهاق، قادرة على الاستمرار. لكن هناك نوعاً آخر من الأزمات أكثر خطورة وهدوءاً في آن؛ أزمات لا تقتحم الدولة من خارجها، بل تتسرب إلى داخلها حتى تعيد تعريفها من الأساس، وتحوّل ما كان يُسمى دولة إلى شيء آخر لم يعد يستحق الاسم ذاته.

هذا النوع الثاني هو ما يسميه بعض منظري الاقتصاد السياسي، مثل داغلاس نورث ودارون أسيموغلو، بـ”اللحظات الفارقة” (Critical Junctures): تلك النقاط النادرة التي لا تعود بعدها الدول كما كانت، والتي تتحدد فيها مسارات طويلة المدى على نحو يكاد يكون نهائياً. في تلك اللحظات، لا تكون الأحداث مجرد تراكمات، بل انكسارات في قواعد اللعبة نفسها. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح على السودان اليوم: هل دخلنا بالفعل تلك اللحظة؟

من السهل قراءة الحرب الدائرة باعتبارها امتداداً مألوفاً لصراع النخب على السلطة، أو تكراراً لدورة سودانية معروفة من الانقلابات والانتفاضات والانتقالات غير المكتملة. لكن هذه القراءة، رغم وجاهتها الجزئية، قد لا تكفي لالتقاط عمق التحول الجاري. فثمة مؤشرات تتراكم توحي بأننا لسنا أمام انهيار نظام فحسب، بل أمام احتمال أكثر قسوة: انهيار الدولة نفسها بوصفها إطاراً جامعاً.

في هذا السياق، أشار المفكر السوداني النور حمد إلى أن الاضطراب الاقتصادي الحاد، خصوصاً ما يتعلق بسعر الصرف وشح السيولة، ليس مجرد عرض جانبي للحرب، بل امتداد لشبكات اقتصادية-سياسية تشكلت خلال العقود الثلاثة الماضية، استخدمت الاقتصاد كأداة للتمكين والسيطرة، وتغلغلت في مفاصل المصارف وسلاسل الإمداد والموارد الحيوية

ولا يخلو هذا التحليل من وجاهة. فمن الصعب إنكار أن نظام الثلاثين من يونيو لم يكتف بالسيطرة على السياسة، بل أعاد تشكيل الاقتصاد السوداني نفسه على قاعدة الولاء لا الإنتاج، والتمكين لا الكفاءة، حتى أصبح الوصول إلى الموارد امتيازاً تمنحه السلطة، لا حقاً يكفله القانون.

غير أن موضع اختلافي مع هذا التفسير يكمن في تقدير حجم السيطرة التي ما تزال تلك القوى تملكها على المشهد الراهن. فما نشهده اليوم لم يعد مجرد امتداد لحيل الإسلاميين الاقتصادية، بقدر ما أصبح الحصاد المر لثلاثة عقود من تجريف الدولة وتسييس الاقتصاد. لقد ظنوا أنهم قادرون على تطويع الاقتصاد واستخدامه أداة للهيمنة، فإذا بالأداة نفسها تنفلت من أيديهم، وما كان تدبيراً محسوباً يتحول إلى قدر تاريخي لا يملكون السيطرة على مآلاته.

إنها واحدة من مفارقات التاريخ الكبرى: أن الشر الذي صُنع لإدامة الهيمنة قد ينقلب على صانعيه، وأن الجرائم التي ارتُكبت لتأبيد السلطة قد تفتح، على غير ما أراد أصحابها، الباب أمام نهاية البنية التي استفادوا منها.

وهنا تحديداً تبرز أهمية الأبيض. فمن يريد أن يفهم دلالات ما يجري في السودان، عليه أن يغيّر زاوية النظر من الخرطوم إلى الأبيض. فقد اعتاد السودانيون أن يتخيلوا سقوط السلطة بوصفه مشهداً يبدأ من العاصمة: دبابات تتقدم نحو القصر، وإذاعات تبث البيان الأول، وجماهير تحتشد في الشوارع. غير أن التاريخ يخبرنا بأن الدول لا تسقط دائماً من مراكزها السياسية، بل كثيراً ما تموت عند أطراف شرايينها الاقتصادية، حين تفقد تدريجياً قدرتها على الحركة والإمداد والصمود.

والأبيض ليست مدينة عادية في هذا السياق؛ فهي العقدة التي تربط دارفور بالوسط، والغرب بالخرطوم، والشمال بالجنوب، ومنها تمر الإمدادات والسلع والوقود. إنها، بالمعنى المجازي، شريان الأورطى الذي يغذي ما تبقى من الجسد السوداني.

ومن هذه الزاوية، فإن استهداف محطات الوقود في محيط الأبيض لا يبدو مجرد تكتيك عسكري عابر، بل جزءاً من منطق استراتيجي بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الجغرافيا الاقتصادية إلى جغرافيا عسكرية. فمحطة الوقود ليست مجرد مرفق خدمي، بل هي ما يحرك سيارات الإسعاف، وينقل الغذاء، ويشغل المولدات، ويحافظ على دوران الأسواق، ويبقي الآليات العسكرية في حالة تشغيل.

بينما يسعى إعلام المركز إلى الترويج لفكرة “المقاومة” بوصفها دليلاً على تلاحم المجتمع بالدولة، فإن الواقع يشير إلى مسار مختلف؛ إذ استنزفت الدولة رصيدها من الشرعية إلى حدٍّ باتت معه في نظر قطاعات واسعة فاقدة لما يستحق الدفاع عنه. وما يؤخر لحظة الانهيار ليس تجدد الإيمان بها، بل تعقّد الواقع، وتوازنات القوة، والخوف من الفوضى.

وليس هذا النمط من الانهيار جديداً في التاريخ. ففي إثيوبيا عام 1991 سبق الإفلاس سقوط النظام، حين عجزت الدولة عن تمويل جيشها وإدامة الحرب. وفي ليبيريا وسيراليون تحولت الموانئ والمناجم وطرق الإمداد إلى أهداف تفوق في أهميتها القصور الرئاسية، لأن الجغرافيا الاقتصادية أصبحت هي الجغرافيا العسكرية.

أما زيمبابوي، فقد ماتت فيها العملة قبل أن تموت الشرعية، في حين أظهرت الأرجنتين عام 2001 كيف أن تجاوز عتبة اقتصادية معينة قادر على تحويل المستحيل السياسي إلى واقع خلال أيام.

وكأن هذه التجارب جميعاً تؤكد ما ذهب إليه تشارلز تيلي من أن الدولة لا تقوم فقط على احتكار العنف المشروع، بل أيضاً على قدرتها على تنظيم الموارد واستخراجها وتوزيعها بما يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار والولاء. فإذا عجزت عن الوظيفتين معاً، بدأت عملية التفكك من الداخل.

إذا صح هذا التحليل، فإن الأبيض ليست مجرد ساحة معركة أخرى في حرب السودان، بل هي التجسد العملي للحظة الفارقة السودانية. فسقوطها الاقتصادي سيمهد لسقوطها العسكري، وسقوطها العسكري سيعيد رسم الطريق إلى أم درمان، لا باعتبارها هدفاً جغرافياً فحسب، بل بوصفها القلب الرمزي للدولة السودانية الحديثة، حيث تتكثف سرديات الهوية والشرعية والذاكرة الوطنية.

وإذا كانت الأبيض تمثل الشرايين، فإن أم درمان تمثل القلب. وحين تختل الشرايين، يصبح الوصول إلى القلب مسألة وقت. وعند تلك النقطة، لن يكون السودان أمام مجرد انهيار نظام حكم، بل أمام احتمال انهيار الدولة بوصفها الإطار الجامع الذي عاش السودانيون داخله منذ الاستقلال.

غير أن أكثر ما يربك المجتمعات في اللحظات الفارقة أنها تظن أن سقوط القديم يكفي وحده لولادة الجديد. وهذا وهم خطير، لأن الفراغ قد يعيد إنتاج الخراب بوجوه مختلفة ما لم يملأه مشروع وطني يتجاوز منطق الغلبة والانتقام، ويؤسس لدولة المواطنة والمؤسسات والعدالة.

وإذا كان في هذه اللحظة ما يدعو إلى الخوف، فإن فيها أيضاً ما يدعو إلى التفكير الجاد. فليست كل الانهيارات نهايات، كما أن سقوط القديم لا يكفي وحده لبناء مستقبل أفضل. ولعل في مفارقات التاريخ ما يجعل الشر الذي صُنع لإدامة الهيمنة يتحول، على غير ما أراد صانعوه، إلى فرصة أخيرة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وعندها، قد يكتشف السودانيون أن ما بدا في لحظته كارثةً خالصة، لم يكن سوى المخاض العسير لميلاد دولة لم تُتح لهم فرصة بنائها من قبل.

What do you feel about this?