نجم الدين دريسة: السودان المختطف: المركز النخبوي الذي صادر الدولة والوطن

2
derisa

نجم الدين دريسة

ليست مأساة السودان في أنه خاض حروباً كثيرة، بل في أنه ظل يعيد إنتاج الأسباب التي تجعل الحرب ممكنة في كل مرة. فمنذ الاستقلال تبدلت الحكومات، وسقطت أنظمة، وقامت ثورات، وعُقدت اتفاقيات، وتغيرت الشعارات والوجوه، لكن السؤال المؤسس للدولة بقي معلقاً: لمن تنتمي هذه الدولة، ومن تعبّر عنه مؤسساتها، ولصالح من تُوزع السلطة والثروة والحقوق؟ لذلك فإن اختزال الأزمة السودانية في خلافات السياسيين، أو طموحات العسكريين، أو النزاعات القبلية، ليس سوى قراءة للسطح، لأن الصراعات التي انفجرت في الجنوب ودارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق لم تولد من فراغ، ولم تكن حوادث منفصلة جمعتها المصادفة داخل حدود بلد واحد، وإنما كانت، بدرجات متفاوتة، تعبيرات متكررة عن أزمة أعمق تتمثل في غياب دولة حقيقية تعبّر عن الشعوب السودانية، ووجود دولة نخبوية احتكرتها فئات محدودة، وأعادت تشكيلها على صورة مصالحها وامتيازاتها التاريخية.

لقد خرج السودان من الاستعمار وهو يحمل جهاز دولة صُمم لإدارة السكان والموارد وحماية مصالح المركز الاستعماري، لا لبناء أمة سياسية متساوية. وكان المنتظر بعد الاستقلال أن تبدأ عملية تاريخية لتفكيك هذه البنية وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة والعدالة والتوزيع المتوازن للسلطة والثروة. لكن النخبة التي ورثت الحكم لم تفكك دولة الاستعمار، بل ورثت عقلها وأدواتها ومؤسساتها، ثم تحولت تدريجياً إلى وكلاء محليين لذلك الإرث. وهكذا نشأت دولة وكلاء الاستعمار؛ دولة تبدلت فيها الرايات والأسماء، لكن بقيت فيها العقلية ذاتها، عقلية الوصاية على الشعوب، واحتكار القرار، وإدارة التنوع بالخوف والقوة، والنظر إلى الأطراف بوصفها خزانات للموارد والجنود، لا بوصفها شريكاً أصيلاً في الوطن.

هذه الدولة النخبوية لم تكن، في حقيقتها، تعبيراً عن السودانيين بتعددهم، ولا انعكاساً عادلاً لتاريخهم وثقافاتهم ومصالحهم، وإنما كانت دولة فئة ضيقة نجحت في تقديم نفسها باعتبارها الدولة كلها. احتكرت تعريف الوطنية، واحتكرت مؤسسات التعليم والإدارة والإعلام، وفرضت سرديتها على بقية البلاد، ثم جعلت من قربها من مركز القرار معياراً للجدارة والانتماء. ولهذا لم يكن فشلها مجرد عجز إداري أو سوء تقدير سياسي، بل أصبح نمطاً متكرراً ومستداماً. لقد أدمنت هذه النخبة الفشل لأنها لم تكن مستعدة يوماً للتخلي عن الامتيازات التي تجعل نجاح الدولة الحقيقية تهديداً مباشراً لمصالحها.

لقد ظلت هذه الفئة هي العقبة الكؤود أمام قيام دولة تعبّر عن الشعوب السودانية. ففي كل لحظة تاريخية كان فيها المجتمع يقترب من إعادة تعريف الدولة، تدخلت النخب القديمة لإجهاض التغيير أو احتوائه أو إعادة إنتاجه داخل القالب نفسه. وعندما ارتفعت مطالب الأقاليم بالمشاركة والعدالة والتنمية، جرى تصويرها على أنها جهوية أو قبلية أو تهديد للوحدة الوطنية. وعندما طالبت قوى اجتماعية جديدة بإعادة توزيع السلطة، جرى اتهامها بأنها تسعى لتفكيك البلاد. وحين طالبت الشعوب السودانية بأن تكون الدولة ملكاً لها جميعاً، تصرفت النخبة وكأن الدولة إرث خاص لا يجوز الاقتراب منه.

ولعل أخطر ما فعلته دولة وكلاء الاستعمار أنها اختطفت الجيش وحولته من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الشعب والدستور والحدود إلى أداة لحماية النظام الاجتماعي والسياسي القائم. لم يعد الجيش، في جانب كبير من تاريخه، بعيداً عن صراعات النخبة، بل أصبح جزءاً من معادلة السيطرة على الدولة، وأداة لحسم الخلافات السياسية بالقوة، وحارساً لامتيازات المركز. وكلما عجزت النخب عن إدارة التناقضات عبر السياسة، استدعت المؤسسة العسكرية لتعيد ترتيب المشهد بما يحفظ لها موقعها، ثم جرى تقديم ذلك في كل مرة بوصفه إنقاذاً للوطن، بينما كان في جوهره إنقاذاً لمنظومة الامتيازات التاريخية.

ولم يقتصر الاختطاف على الجيش، بل امتد إلى الخدمة المدنية التي كان يفترض أن تكون جهازاً مهنياً محايداً يخدم المواطنين جميعاً. لكن الخدمة المدنية تحولت تدريجياً إلى مجال لتثبيت نفوذ النخبة وإعادة إنتاجها، وأصبحت مؤسسات الدولة موزعة وفق علاقات القرب والولاء والانتماء الاجتماعي والسياسي، لا وفق الكفاءة والعدالة والتوازن الوطني. وهكذا جرى استخدام الوزارات والمؤسسات والجامعات والسلك الدبلوماسي والإدارة العامة لتوسيع نفوذ المركز، بينما ظلت قطاعات واسعة من الشعوب السودانية خارج دوائر التأثير الفعلي، حتى حين كانت حاضرة داخل المؤسسات شكلياً.

ولعل الأرض تكشف بصورة صارخة طبيعة هذا الاختلال. ففي الريف السوداني لم تكن الأرض مجرد مساحة جغرافية أو سلعة اقتصادية، بل كانت نظاماً كاملاً للحياة، ترتبط بها الزراعة والرعي والمياه ومسارات الحركة والعلاقات الاجتماعية والذاكرة والهوية. وعندما تدخلت الدولة بتشريعات مركزية لا تعترف بهذه البنية المركبة، لم تكن تعيد تنظيم الملكية فقط، وإنما كانت تعيد توزيع القوة والثروة لمصلحة أصحاب النفوذ. فالقانون الذي يبدو محايداً على الورق قد يتحول إلى أداة للنهب حين يطبق على مجتمعات لا تملك الأدوات القانونية والإدارية نفسها التي تملكها الفئات القريبة من السلطة. وهكذا استطاعت فئات تملك التعليم والمال والعلاقات بالدولة تثبيت مصالحها قانونياً، بينما وجد سكان عاشوا فوق أراضيهم أجيالاً أنفسهم أضعف أمام منظومة حديثة لا تتحدث لغتهم الاجتماعية ولا تعترف بحقوقهم التاريخية.

ومن هنا لا يمكن فهم الفقر في أطراف السودان باعتباره نتيجة طبيعية لندرة الموارد. فالمفارقة أن كثيراً من المناطق الأكثر فقراً هي نفسها مناطق الذهب والثروة الحيوانية والأراضي الزراعية والمياه والموارد الطبيعية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس أين توجد الثروة، وإنما من يملك سلطة تعريفها واستخراجها وتسويقها والاستيلاء على عائداتها. لقد استأثرت النخبة الحاكمة بموارد البلاد ومقدراتها، واحتكرت مؤسسات التخطيط والتمويل والتصدير، ثم أعادت توزيع العائدات بما يخدم أصحاب الامتيازات التاريخية. وكانت النتيجة أن تخرج الثروة من الأطراف إلى المركز، بينما يعود إلى المجتمعات المنتجة الفقر والحرمان والنزوح وانهيار البيئة المحلية.

ولم تكن هذه العملية اقتصادية فقط، بل كانت سياسية أيضاً. فقد احتكرت النخبة القرار السياسي، وضيقت دوائر المشاركة، وأدارت البلاد من فوق، دون عقد وطني حقيقي يعبّر عن إرادة الشعوب السودانية. وعوضاً عن بناء مؤسسات واسعة التمثيل، حافظت على دوائر مغلقة لصناعة القرار، يجري داخلها تداول السلطة بين فئات محدودة، بينما يُستدعى الشعب عند الضرورة لمنح الشرعية أو دفع كلفة الحروب أو تحمل آثار الانهيار الاقتصادي. وحتى الأحزاب التي رفعت شعارات الديمقراطية لم تنجُ دائماً من هذه الذهنية، لأنها كثيراً ما تعاملت مع الدولة بوصفها غنيمة تنتظر من يسيطر عليها، لا مؤسسة يجب إعادة بنائها جذرياً.

وعلى مدى عقود، تراكمت الفجوة بين المركز والأطراف حتى أصبحت أكبر من المسافة التي تقاس بالكيلومترات. إنها مسافة في فرص التعليم، وفي نوع المستشفى، وفي القدرة على الوصول إلى القضاء، وفي الحضور داخل مؤسسات الدولة، وفي فرص التوظيف، وفي التأثير على القرار الوطني. وفي اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بأن الدولة لا تظهر أمامه إلا عندما تريد جباية أو تجنيداً أو ضبطاً أمنياً، بينما تختفي عندما يحتاج إلى التعليم والصحة والحماية والعدالة، تتغير طبيعة علاقته بها. عندئذ تصبح الروابط المحلية أكثر حضوراً من رابطة المواطنة، وتتحول الجماعة الأهلية إلى مظلة للحماية والتمثيل، ليس لأن الناس يرفضون الدولة الحديثة،

What do you feel about this?