أماني إبراهيم: كيرياندونغو .. حين يتحول اللجوء إلى معركة يومية من أجل البقاء!!

1
Amani

أماني ابراهيم

لم يعد البقاء في مخيم كيرياندونغو مجرد انتظار لنهاية الحرب أو أملاً في العودة إلى وطن أكثر أمناً، بل تحول إلى معركة يومية قاسية من أجل أبسط مقومات الحياة. فمع تراجع الدعم الإنساني وانحسار دور المنظمات التي مثلت لسنوات شريان حياة لآلاف اللاجئين وجد كثير من الأسر السودانية نفسها في مواجهة واقع شديد القسوة .. لا دخل ثابت ولا فرص كافية للعمل ولا مساعدات تضمن الحد الأدنى من الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، واعتمدت قطاعات واسعة من اللاجئين داخل المخيم على المساعدات التي تقدمها المنظمات الوطنية والدولية إلى جانب المبادرات الخيرية في ظل محدودية مصادر الدخل وفرص كسب العيش، غير أن توقف التمويل الأمريكي الذي كانت تعتمد عليه بصورة كبيرة منظمات وطنية عاملة في المجال الإنساني انعكس مباشرة على قدرتها على مواصلة أنشطتها، وأدى إلى تقلص الخدمات والمساعدات التي تصل إلى اللاجئين.

ولم تكن تداعيات هذا التراجع إنسانية ومعيشية فحسب بل امتدت إلى داخل الأسر نفسها، فالضغوط الاقتصادية والنفسية المتراكمة فرضت واقعاً بالغ القسوة، وبدأت آثارها تظهر في تزايد الخلافات الأسرية وحالات الطلاق وتفكك أسر استطاعت الحفاظ على تماسكها حتى خلال أشد مراحل الحرب، فحين يعجز الأب أو الأم عن توفير الطعام أو الدواء لطفل لا تبقى الأزمة خارج المنزل بل تتسلل إلى داخله وتعيد تشكيل العلاقات والأدوار تحت ضغط الحاجة والعجز المستمر، ومع تضاؤل فرص العيش وجدت بعض الأسر نفسها أمام خيار أشد قسوة “العودة إلى السودان”، ولم تكن العودة بالنسبة إلى هؤلاء دليلاً بالضرورة على استقرار الأوضاع أو شعورهم بأن البلاد أصبحت أكثر أمناً بقدر ما كانت انعكاساً لوصول الحياة داخل المخيم إلى مرحلة لم يعد بعضهم قادراً على تحملها، وهكذا تحولت “العودة الطوعية”، بالنسبة إلى بعض الأسر من خيار تحكمه الرغبة في العودة إلى الوطن إلى قرار تفرضه قسوة اللجوء وانسداد سبل العيش.

النساء .. العبء الأثقل للأزمة

وسط هذا الواقع تتحمل النساء السودانيات جانباً بالغ القسوة من الأزمة. فقد وجدت كثيرات أنفسهن أمام مسؤوليات مضاعفة يقمن بأدوار الرعاية والإعالة في آن واحد ويحاولن كل يوم تدبير احتياجات أسرهن في بيئة شحيحة الموارد، وتبدأ رحلة بعضهن منذ ساعات الصباح الأولى بحثاً عن الماء، ثم محاولة توفير ما يمكن من الطعام للأطفال بينما يتحول مرض طفل أو ارتفاع حرارته إلى مصدر خوف حقيقي في ظل محدودية الخدمات الصحية وصعوبة الحصول على الأدوية. إنها تفاصيل يومية قد تبدو صغيرة أمام الأرقام الكبيرة للحرب والنزوح لكنها بالنسبة إلى النساء داخل المخيم تمثل معركة متواصلة للحفاظ على أسرهن. فالأزمة هنا لا تقاس فقط بعدد الوجبات التي تقلصت أو المساعدات التي توقفت وإنما أيضاً بحجم المسؤوليات التي انتقلت إلى كاهل النساء في وقت تراجعت فيه شبكات الحماية والدعم.

الفتيات .. احتياجات أساسية تتحول إلى أزمة كرامة وصحة

وثمة معاناة أخرى أكثر صمتاً تعيشها الفتيات والنساء، ولا تجد دائماً طريقها إلى عدسات الإعلام “صعوبة الحصول على مستلزمات النظافة الشخصية وفي مقدمتها الفوط الصحية، إن غياب هذه الاحتياجات الأساسية قد يدفع بعض الفتيات إلى اللجوء إلى بدائل غير ملائمة، مثل قطع القماش أو الإسفنج وإعادة استخدامها بما قد يعرّض صحتهن لمخاطر صحية فضلاً عما يسببه ذلك من ضغط نفسي وشعور بفقدان الخصوصية والكرامة، وقد تنعكس هذه الظروف كذلك على انتظام بعض الفتيات في الدراسة ومشاركتهن في الحياة اليومية، ولا تنفصل هذه الهشاشة عن أشكال أخرى من المخاطر التي قد تواجه النساء والفتيات بما فيها التحرش والتهديد والابتزاز والعنف الرقمي في بيئة أصبحت فيها الحاجة الاقتصادية والاجتماعية عاملاً إضافياً يزيد من قابلية الفئات الأكثر ضعفاً للاستغلال.

قد تستطيع التقارير الإنسانية رصد أعداد المستفيدين وحجم المساعدات ونسب الاحتياجات لكنها لا تستطيع دائماً نقل التفاصيل الصغيرة التي تصنع قسوة الحياة في المخيم “ساعات الانتظار الطويلة وانعدام الخصوصية في بعض المرافق المشتركة والعمل بأجور زهيدة لتأمين احتياجات الأسرة والشعور بالعجز الذي يثقل كاهل آباء وأمهات لا يستطيعون الاستجابة لطلب طفل جائع أو مريض”، وتلك التفاصيل هي الوجه الآخر للأزمة “الوجه الذي لا يظهر دائماً في جداول الإغاثة وتقارير التمويل لكنه يكشف كيف يمكن لانهيار منظومة الدعم الإنساني أن يتحول تدريجياً إلى أزمة تمس الكرامة والعلاقات الأسرية والصحة النفسية ومستقبل الأطفال، ورغم كل ذلك، تواصل نساء كيرياندونغو محاولاتهن لصناعة حياة وسط الندرة وحماية أطفالهن والحفاظ على ما تبقى من تماسك أسرهن، غير أن قدرتهن على الصمود يجب ألا تتحول إلى ذريعة لتركهن وحدهن في مواجهة الأزمة، ولا إلى مبرر للعالم والمنظمات الإنسانية للتعامل مع معاناتهن باعتبارها واقعاً يمكن التعايش معه، فالصمود لا يلغي الحاجة والقدرة على الاحتمال لا تعفي المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية من مسؤولياتها. نساء وأطفال كيرياندونغو لا يطلبون امتيازات ولا يتسولون الشفقة، الماء النظيف والغذاء الكافي والرعاية الصحية والدواء، ومستلزمات النظافة الشخصية والحماية من الاستغلال والعنف، ليست كماليات أو رفاهية، وإنما حقوق إنسانية أساسية.

وفي كيرياندونغو،لا يخوض آلاف اللاجئين معركة من أجل حياة أفضل فحسب إنهم يخوضون، كل يوم معركة أكثر بساطة وقسوة في آن واحد .. أن ينجوا، وأن يحافظوا خلال ذلك على ما تبقى من كرامتهم في مكان يخشون أن يكون العالم قد بدأ ينساه.

What do you feel about this?