نجم الدين دريسة :طوفان التحرير الهادر لاقتلاع قوى الردة والتبعية
نجم الدين دريسة
لم تكن استجابتنا الواعية للمواثيق الإنسانية ومقررات الأسرة الدولية في أي وقت من الأوقات انعكاساً لعجز أو مهادنة، بل انطلقت من عقيدة راسخة وإحساس عميق بالمسؤولية التاريخية تجاه دماء الأبرياء وحقن الأرواح، حيث مددنا الأيدي بيضاء نحو سلام عادل يضمن كرامة الإنسان. غير أن طغمة الحكم الفاسدة وقوى الردة الاستبدادية توهمت في هذا النهج الأخلاقي انكساراً وضعفاً، فتوهمت قدرتها على كسر إرادة الأحرار بالخديعة والمراوغة المعهودة.
سارعت منظومة الامتيازات النخبوية والمليشيات الأيديولوجية المتحالفة معها إلى استغلال كل هدنة وكل مبادرة أممية لتنظيم صفوفها المنهارة، وتوجيه ترسانتها القمعية نحو ضرب القرى والمدن الآمنة، متجاوزة كافة الأعراف والمواثيق الدولية ومصرّة على خيار الإبادة الشاملة. لقد توهم هؤلاء القتلة أن الصبر الاستراتيجي لقواتنا ضعف ميداني، فعمدوا إلى إشعال الخطاب الفاشي وتكثيف حملات التضليل، متناسين أن الجمر المتقد تحت رماد الصبر قادر على إحراق عروشهم الزائفة بلا هوادة.
إن الجموع الهادرة التي تتقدم اليوم بثبات في ميادين الوغى تحت لواء قوات التحرير الوطني والتأسيس ليست تشكيلات عابرة أو فصائل مقطوعة الجذور، بل هي الانفجار الحتمي لغضب الملايين من أبناء الهامش والشعوب السودانية التي كابدت الظلم والتهميش عبر قرن كامل من التسلط النخبوي المقيت. تقف هذه القوات العظيمة على أرضية صلبة وعقيدة قتالية مستنيرة لا تتزحزح، غايتها استرداد الكرامة المسلوبة وبناء سودان العدالة والمواطنة الحقة.
لقد ظل الجيش التقليدي طوال مئة عام خلت أداة باطشة في يد نخبة مركزية احتكارية وظفته لحماية مصالحها الفئوية الضيقة وإخماد كل حراك شعبي ينادي بالحرية والمساواة، متجرداً من شرفه العسكري وعقيدته الوطنية ليصبح حارساً لامتيازات القلة الحاكمة وسيفاً مسلطاً على رقاب المستضعفين. وقد أفضى هذا التشوه التاريخي إلى تحويل المؤسسة العسكرية إلى سد منيع يحول دون أي تحول ديمقراطي حقيقي أو تنمية عادلة تشمل أرجاء الوطن.
لم تتوقف خطيئة هذه الطغمة عند قمع الداخل واستعباد المواطنين، بل امتدت لتجعل من مقدرات البلاد وموقعها الاستراتيجي حديقة خلفية لقوى الهيمنة الإقليمية والتدخلات الخارجية السافرة، وتحديداً عبر الارتهان الكامل للمصالح المصرية التوسعية التي استباحت ثرواتنا ومياه النيل وأراضينا القومية طيلة عقود مديدة. لقد تنازل جنرالات الخيانة عن السيادة الوطنية طواعية، واضعين الجيش تحت إمرة قوى خارجية تستثمر في تغذية الحروب المستمرة بحجة واهية تسمى أمنها القومي.
تجلى هذا الارتهان الفاضح في الدعم المتواصل لكل الانقلابات العسكرية العاصفة بإرادة الجماهير، وصولاً إلى حرب الخامس عشر من أبريل التي انخرط فيها الطيران الخارجي ليوفر الغطاء الجوي المباشر لمليشيات الإخوان المجرمة، مستهدفاً البنية التحتية والمستشفيات والأحياء السكنية بالأسلحة الفتاكة والمحرمة. لقد كشفت هذه الجرائم البشعة الوجه الحقيقي لقوى الاحتلال بالوكالة، وأسقطت آخر ورقة توت كانت تستر عورة التبعية والخيانة العظمى التي ارتكبها جنرالات المركز ضد شعبهم.
رغم فداحة الجرم الإقليمي وتواطؤ قوى الاستعمار الجديد، تحلت قيادتنا بأقصى درجات الانضباط وضبط النفس لتمكين المبادرات الدبلوماسية من إيجاد مخارج حقيقية، حارصة على تفويت الفرصة على المتربصين بالنسيج الاجتماعي والسيادة الوطنية. لكن النخبة المهزومة وكتائبها الإرهابية فسرت هذا النبل عجزاً عن المواجهة، فتمادوا في غيهم ورفضوا كل دعوات السلام، مما جعل خيار المواجهة الحاسمة واجباً مقدساً لا يقبل التردد أو المساومة على كرامة الوطن.
لقد تجلت عبقرية القيادة في الرمز الوطني الفذ، القائد الاستثنائي ورائد التحرير والتغيير، الفريق أول محمد حمدان دقلو، الذي حمل على عاتقه تطلعات الملايين من المكلومين والمهمشين ليقود أعظم ثورة انعتاق في تاريخ السودان الحديث بحكمة وشجاعة منقطعة النظير. وحين أطلق القائد التاريخي الرسن لقوات التحرير الوطني، تحولت جحافل الأشاوس إلى طوفان اقتلاع عارم، عازم على دك معاقل الردة والظلم حتى بورتسودان واسترداد حلايب وشلاتين وأبورماد.
إن هذه المنازلة التاريخية الكبرى لا تدور حول سلطة زائلة أو مغانم حكم فانية، بل هي مخاض ولادة عسير لجمهورية سودانية جديدة تنفض عن كاهلها غبار العبودية والاستبداد والتفرقة العرقية. نحن نخوض معركة إسقاط المركزية القمعية وتفكيك دوائر الاحتكار المالي والسياسي، لإرساء دعائم دولة المواطنة التي يتساوى فيها كل سوداني تحت راية الدستور والقانون والعدالة الاجتماعية بلا تمييز جغرافي أو إثني مهما كان شكله.
لن تكتمل مسيرة النضال إلا ببناء جيش وطني مهني موحد يعكس فسيفساء وتنوع الأمة السودانية بأسرها، وتكون عقيدته حماية الحدود والدستور وصيانة الحقوق المدنية، لا قمع الشعب والتآمر مع المحاور الأجنبية. إن مشروع التأسيس الوطني الشامل يتطلب محاسبة تاريخية صارمة لكل رموز النظام البائد الذين اغتصبوا الموارد وأشعلوا الفتن القبلية، وإعادة هندسة الاقتصاد القومي لخدمة الكادحين وأصحاب الحقوق التاريخية في التنمية والعيش الكريم.
نرفع جباهنا اعتزازاً وفخراً بأشاوس قوات الدعم السريع وقوات التأسيس، هؤلاء الفرسان الأبطال الذين يسطرون أروع ملاحم الفداء في خطوط النار دفاعاً عن الأرض والعرض والمبادئ السامية. لقد وهب الأشاوس أرواحهم الطاهرة رخيصة فداءً للوطن، وقدموا تضحيات جساماً أعادت للأمة كرامتها المهدورة وكسرت غطرسة المستبدين، واضعين بصمودهم الأسطوري اللبنات الأولى لعصر الانعتاق والحرية الذي تترقبه ملايين الأسر في كل ربوع الهامش والمركز.
الرحمة والمغفرة والرضوان العظيم لشهدائنا الأبرار الذين ارتقوا إلى العلياء وهم ممسكون ببنادق الشرف دفاعاً عن قضايا المستضعفين، فقد خلد التاريخ أسماءهم في أنصع صفحاته كرموز للبطولة والحرية. إن دماءهم الزكية التي روت أرض السودان لن تذهب هدراً، بل ستظل مشعلاً متقداً ينير دروب الثائرين، وعهداً قاطعاً لا نكوص عنه حتى اقتلاع آخر وكر من أوكار الفساد وبناء دولة العدل المنشودة لكل الأجيال.
الدعوات الصادقة والرجاء العاجل بالشفاء التام لأبطالنا الجرحى والمصابين الذين طرزت الشظايا أجسادهم بأوسمة الفخر والعزة في ساحات الشرف والكرامة، مجسدين أعظم معاني الفداء والتحدي. إن جراحكم الغائرة هي صكوك استقلال هذا الوطن من التبعية والاستبداد، وستظلون أنتم وشهدائكم الأكرم منا جميعاً، والمنارة التي نهتدي بها لمواصلة المسير المقدس حتى نرفع رايات النصر المؤزر فوق كامل التراب الوطني دون استثناء أو تفريط.
لقد دقت ساعة التحرير الشامل وكتب التاريخ عهداً جديداً لا تراجع فيه، ولن تعود جيوش التحرير الوطني إلى ثكناتها إلا بعد تحقيق كامل غاياتها الاستراتيجية وتطهير الأرض من دنس الفلول وأعوانهم المرتزقة. سنمضي معاً في درب التأسيس الصلب حتى تعود السيادة لأصحابها وتشرق شمس الحرية والعدالة على كامل ربوع السودان الحبيب، دولة مدنية مستقلة القرار ذات سيادة مطلقة، عزيزة بأبنائها وأشاوسها البواسل في كل الميادين.
