أشرف عبدالعزيز: إعادة تشكيل المشهد السياسي (2)
أشرف عبدالعزيز
يقف المسار السياسي السوداني اليوم عند مفصل شديد التعقيد، متأثرًا بتداعيات اللقاء الذي جمع الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بوفد الشخصيات القومية بالخرطوم، وما أسفر عنه من وعود بإصدار قرارات تتصل بتهيئة المناخ للحوار السوداني-السوداني، وهو اللقاء الذي أحاط أعضاؤه تفاصيله بالسرية، مكتفين بوصفه بالمثمر. غير أن هذا التحرك جاء متزامنًا مع مناخ محتقن، سبقه تسريب القيادي بتنسيقية القوى الوطنية “الجاكومي” لما دار في اجتماع مع البرهان، ووعده بالعفو عن قيادات تحالف صمود، وما أحدثه ذلك التسريب من تشويش واسع واختلاط للأوراق السياسية، مستدعيًا ردًا حاسمًا من التحالف عبر بيان يرفض مبدأ العفو من أصله، متأسسًا على قناعة حقوقية مفادها أن المطالبة بالعفو لا تستقيم إلا في حق من ارتكب جريمة، بينما القضايا المرفوعة مجرد بلاغات كيدية أملتها الخصومة السياسيةوفي هذا السياق، تتجلى حدة الاستقطاب في الحملة الضارية التي يشنها التيار الإسلامي ضد تحالف صمود وضد البرهان نفسه، على الرغم من النفوذ الهائل الذي يتمتع به هذا التيار داخل مفاصل الدولة ومؤسساتها العدلية، وصولًا إلى المحكمة الدستورية. ومع تبدد رهانات العفو ورفض صمود الانخراط في هذا المسار، بدأت بعض الأقلام المحسوبة على هذا الاتجاه بالتنظير لحوار يعتمد التمثيل الشخصي لا الحزبي، مع فتح المجال حصرًا للمناصرين للجيش والمؤيدين لخيار استمرار القتال، وهو تحول يكشف بوضوح أن الهدف من الحوار المطروح حتى الآن ليس وقف الحرب أو التوصل إلى تسوية شاملة، بقدر ما هو محاولة لتشكيل ظهير سياسي محدد وإعادة ترتيب أوراق السلطة.ولم تقتصر ردود الأفعال على هذا المسار على القوى المدنية والحقوقية، بل امتدت لتكشف عن تباينات داخل القوى السياسية، حيث عبّر الدكتور كمال عمر، الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي، عن موقف يستحسن الحوار الداخلي لتفادي تجارب التفاوض الخارجي، لكنه اشترط لنجاحه أن يتوجه مباشرة نحو إيقاف الحرب، مؤكدًا أن أي حوار لا يضع نهاية للنزاع المسلح لن يكون مجديًا.
وعلى الجانب الحقوقي، جاء موقف المحامية والناشطة حنان حسن ليجسد جوهر الأزمة العدلية التي تعيشها البلاد، حين تساءلت بمنطق حقوقي صارم عن شرعية الجهة التي تمنح العفو وملاءمتها القانونية، معلنة رفضها القاطع لأي تسوية تتجاوز مبدأ المحاسبة أو تحول الحقوق الأصيلة إلى منحٍ تهبها السلطة القائمة.إن التأكيد على رفض الإفلات من العقاب ورفض صكوك الغفران الصادرة عن السلطة يعكس قناعة راسخة بأن العدالة الانتقالية وبناء القضاء المستقل هما الطريق الوحيد لإبطال البلاغات الكيدية الموجهة ضد القادة المدنيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وأن أي عملية سياسية لا تضع إيقاف الحرب وتحقيق العدالة في صدارة أهدافها لن تؤدي إلا إلى تعميق أزمة البلاد وإطالة أمد الصراع.
ختامًا، ينكشف المشهد السياسي الراهن عن أزمة عميقة في المفاهيم والأهداف، إذ يظل البحث عن شرعية سياسية عبر حوارات شكلية تعتمد التمثيل الشخصي وتستبعد القضايا الجوهرية مجرد دوران في حلقة مفرغة.
إن تجاوز هذه اللحظة الحرجة يستلزم انتقالًا حقيقيًا من منهج إدارة الأزمة إلى مواجهتها بجرأة، وذلك بالتركيز المباشر والواضح على الهدف الأساسي المتمثل في إيقاف الحرب فورًا، وإنهاء المعاناة الإنسانية، وتأسيس عملية سياسية شاملة تقوم على العدالة وسيادة القانون، بعيدًا عن أوهام العفو الفوقي والمناورات السياسية التي لم تزد البلاد إلا انقسامًا واشتعالًا.
