أماني إبراهيم: عندما يصبح المدني هدفاً في الحرب

1
Amani

أماني إبراهيم

لم تعد الحرب في دارفور تقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال وإنما أيضاً بما تتركه خلفها من قتلى وجرحى وسط المدنيين، وبيوت مدمرة وأسر فقدت أبناءها ومناطق أصبحت الحياة فيها صعبة وغير آمنة، والأخطر من كل ذلك أن يصبح موت المدنيين شيئاً عادياً نسمع عنه كل يوم ونقرأ أعداد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر وكأن هؤلاء الناس مجرد أرقام في حصيلة الحرب.

حادثة «الزاوية غرة» في شمال دارفور أعادت هذه المأساة إلى الواجهة مرة أخرى بعد أن استهدفت طائرة مسيرة تابعة للجيش السوداني مقر محكمة أهلية ما أدى إلى مقتل نحو 46 مدنياً وإصابة عشرات آخرين، وهذه أرقام كبيرة ومؤلمة لكنها لا تحكي القصة كاملة لأن كل رقم يمثل إنساناً له أسرة وأبناء وأهل ينتظرونه وكل شخص قتل ترك وراءه أسرة ستعيش ألم فقده لفترة طويلة، والمشكلة في حادثة «الزاوية غرة» ليست فقط في عدد الضحايا وإنما أيضاً في المكان الذي تم استهدافه فالمحكمة الأهلية ليست موقعاً عسكرياً ولا ساحة للقتال وإنما مكان يلجأ إليه المواطنون لحل النزاعات والمشاكل التي تحدث بينهم ولها دور مهم في الحفاظ على استقرار المجتمع خاصة في دارفور التي عانت لسنوات طويلة من الحروب والنزاعات، ولهذا يجب ألا تضيع المسؤولية وسط الحديث العام عن «أطراف الحرب» إذا كانت المعلومات المتوفرة تحدد من نفذ الهجوم، فالجيش السوداني باعتباره الجهة التي نفذت الضربة يتحمل مسؤولية مباشرة عن سقوط هؤلاء المدنيين، وما حدث يحتاج إلى تحقيق مستقل وواضح لمعرفة لماذا تم استهداف هذا المكان ومن اتخذ قرار الضربة وهل تم التأكد من وجود مدنيين في الموقع قبل تنفيذها.

وحادثة «الزاوية غرة» ليست الأولى منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 فقد طالت ضربات جوية وطائرات مسيرة تابعة للجيش عدداً من الأسواق والمستشفيات والمدارس والمناطق السكنية وسقط بسببها مئات المدنيين بينهم نساء وأطفال، وهذا يطرح سؤالاً مهماً حول طريقة اختيار الأهداف ومدى الحرص على عدم تعريض المواطنين العزل للخطر، ومن الأشياء المؤلمة في هذه الحرب أننا بدأنا من دون أن نشعر نتعود على أخبار الموت، نسمع اليوم عن عشرات القتلى في مكان وغداً عن ضحايا في مكان آخر وبعد فترة قصيرة يصبح الخبر قديماً، وهذا أمر خطير لأن حياة الناس لا يمكن أن تتحول إلى أرقام عادية نسمعها كل يوم ثم ننساها.

دارفور دفعت ثمناً كبيراً من دماء أهلها طوال سنوات طويلة وما زال أهلها يدفعون الثمن حتى اليوم، النزوح مستمر والخوف موجود والمواطن البسيط يجد نفسه وسط حرب لم يخترها ولا يملك قرار إيقافها، وفي النهاية مهما تغيرت مناطق السيطرة ومهما تحدثت الأطراف عن انتصاراتها يبقى المواطن هو الذي يخسر “يفقد بيته أو عمله أو أحد أفراد أسرته”، ولهذا يجب ألا تمر حادثة «الزاوية غرة» مثل أي خبر عابر ثم تنسى، والمطلوب تحقيق مستقل يكشف ما حدث ويحدد المسؤولية بوضوح فالعدالة ليست شيئاً نؤجله إلى ما بعد انتهاء الحرب، بل هي مهمة الآن حتى يشعر الناس بأن دماء المدنيين ليست بلا قيمة وحتى لا تتكرر مثل هذه الحوادث مرة أخرى.

وعندما تصل الحرب إلى البيوت والأسواق والمدارس والمستشفيات والمحاكم الأهلية فإنها لم تعد مجرد مواجهة بين أطراف مسلحة، وحين يصبح المواطن غير آمن حتى في الأماكن البعيدة عن القتال لا يعود السؤال فقط “من سينتصر في هذه الحرب؟” بل يصبح السؤال الأهم “ماذا سيتبقى من السودان ومن أهله عندما تنتهي؟”، ودارفور اليوم لا تحتاج إلى مزيد من البيانات التي تعد القتلى بعد كل هجوم وإنما تحتاج إلى موقف واضح يجعل حماية المدنيين فوق أي حسابات سياسية أو عسكرية فحياة المواطن السوداني ليست رخيصة وحمايته يجب أن تكون مسؤولية لا خلاف عليها مهما كان الطرف الذي يحمل السلاح، والصمت على موت المدنيين لا يوقف الحرب والتعود على أخبار الضحايا لا يجعل الأمر أقل ألماً، بل قد يجعل تكراره أسهل.

وعندما يصبح المواطن نفسه هدفاً في الحرب، تصبح حماية حياته أهم من أي انتصار عسكري يمكن أن يعلنه أي طرف.

What do you feel about this?