نفيسة حجر: القوى السياسية وفخ بيضة أم كُتّيتي

5
nafisa

نفيسة حجر

يقول المثل السوداني البليغ في وصف المأزق الذي لا خيار فيه (بيضة ام كتيتي كان شلتها بتكتل امك وكان خليتها بتكتل ابوك)  وهو المعنى الذي يتجسد بدقة في موقف القوى السياسية والمدنية السودانية اليوم وهي تقف أمام الخارطة التفاوضية المطروحة عبر الخماسية.

لقد أحكم فخ الخماسية حول الجبهة المدنية بصورة غير مسبوقة  فإن قررت المشاركة والجلوس شرعنت سلطة الأمر الواقع وجرى القفز فوق جرائم الحرب ومنحت البرهان ومجموعته الغطاء السياسي والشرعية المجانية التي يلهثون خلفها لإعادة إنتاج أنفسهم وإن قررت الرفض والمقاطعة تركت الساحة بالكامل للفاعلين العسكريين وحلفائهم ورعاتهم الإقليميين ليصيغوا مستقبل البلاد وشكل الحكم ومؤسساته وفق منطق السلاح والصفقات الفوقية، وتهميشها كطرف لا يحمل وزنا في معادلة الميدان.

هذا العجز والجمود الذي صاحب  الجبهة المدنية ليس وليد المصادفة بل هو النتيجة الطبيعية لمشهد أعيدت هندسته بعناية من قبل سلطة البرهان والمجموعات المرتبطة بها والتي تجاوزت وهم الحسم العسكري المباشر إلى استراتيجية أعمق وأخطر تقوم على هندسة الموارد البشرية القتالية وإعادة تدويرها.

فلم يكن تراجع البرهان الضمني عن خطابه السابق الذي وصم فيه مجتمعات ومجموعات كاملة في كردوفان ودارفور بأنها حواضن اجتماعية للتمرد ونزع عنهم سودانيتهم بنسبتهم لدول أخرى مراجعة أخلاقية بل كان خضوعا لحقيقة ميدانية وضغوطا من محاور خارجية أدركت أن المؤسسة العسكرية التقليدية تآكلت وأن البقاء يتطلب الاستعانة بتلك المجموعات القتالية الشرسة والمتمرسة على الحروب.

ومن هنا نفهم مغزى الخطوات الأخيرة المتمثلة في العفو عن قيادات ميدانية مثل السافنا والنور القبة والتودد للشيخ موسى هلال وتسهيل تحركاته للحشد والتجنيد كاعتراف صريح بشراسة هذه القوى ومحاولة لبناء ميليشيا بديلة توازن نفوذ الدعم السريع.

كما أن المؤشرات والترتيبات المتوقعة في مقبل الأيام تشير إلى التمهيد لإعادة تموضع أطراف المسار كنقل مناوي إلى المجلس السيادي لإفساح المساحة الإدارية والسياسية في دارفور لموسى هلال ليصبح الحاكم الفعلي للإقليم مقابل الحشد والتجنيد وهو سيناريو يوضح أن سلطة الأمر الواقع تتصرف بمنطق المقايضة والمحاصصة الأهلية وليس بمنطق بناء الدولة.

والأمر لا يتوقف عند حدود الداخل السوداني؛ فالمحاور الإقليمية والدولية التي تدير الأزمة لا تبحث عن ديمقراطية أو استقرار مدني بقدر ما تبحث عن حراس للمصالح ورصيد بشري عالي الكفاءة القتالية وقد فطنت هذه المحاور مبكرا إلى القوة الباطشة التي تمتلكها هذه المجموعات القبلية والقتالية في غرب السودان.

لذا فإن فتح المساحة لموسى هلال وغيره لتجميع هذه القوات وتأسيسها ليس هدفه تحرير دارفور أو إنهاء الحرب، بل بذر وتأسيس جيوش بالإنابة تكون جاهزة للتوظيف والتصدير لحماية الموانئ والممرات البحرية في البحر الأحمر وتأمين مصالح المحاور الخارجية في نزاعات المنطقة.

إن استمرار الحرب لسنوات وتحولها إلى عامها الرابع في طريقها للخامس يكشف أن رهانات الأسابيع القليلة كانت وهمية، وأن خطر المخطط الحالي لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في تفكيك الوعي والنسيج الاجتماعي لإنسان السودان وتحويله إلى وقود لجيوش الوكالة.

ولن تخرج القوى السياسية من فخ الخماسية إلا إذا توقفت عن الانتظار والتذبذب بين المشاركة والمقاطعة وقامت بتعرية هذا المخطط للشارع وطرحت مشروعا وطنيا حازما يرفض تسليم البلاد لشركاء الحرب والميليشيات المتوالدة ويقطع الطريق أمام ارتهان القرار الوطني للمحاور الإقليمية.

What do you feel about this?