نجم الدين دريسة: التأسيس يعني القطيعة الكاملة مع دولة وكلاء الاستعمار

4
deresa

نجم الدين دريسة

ثمة لحظات في تاريخ الشعوب لا يعود فيها الإصلاح كافياً، ولا تصبح التسويات سوى طريقة مؤقتة لتأجيل الانفجار، ولا يكون تغيير الحكام أكثر من تبديل للحراس أمام أبواب البناء القديم عند تلك اللحظة تحديداً يصبح السؤال أكبر من السلطة، وأعمق من الحكومة، وأخطر من الخلافات السياسية  حول من يحكموهل ما تزال الدولة نفسها صالحة للاستمرار، أم أن التاريخ بلغ النقطة التي تستوجب إعادة تأسيسها من الجذور؟؟؟ والسودان، بعد عقود من الحروب والانقلابات والثورات والاتفاقيات التي أعادت إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، يقف اليوم أمام هذا السؤال والمحوري الجوهري بلا اي رتوش.

من هنا تكتسب كلمة «تأسيس» ثقلها الحقيقي. فهي ليست اسماً لتحالف سياسي، ولا شعاراً مرحلياً، ولا وصفة لتوسيع قاعدة المشاركة داخل دولة 56، وإنما إعلان بأن المشكلة لم تعد فيمن يجلس على قمة الدولة، بل في الدولة الأوليغارشية نفسها في هندستها للسلطةزومركزيتها و الامتيازات التاريخية التي راكمتها، و المؤسسات التي جعلت احتكار القرار ممكناً وقابلاً للتجدد مهما تغيرت الأنظمة…. ولذلك فإن التأسيس لا يحتمل أنصاف الحلول  إما أن يكون تغييراً جذرياً يمس الأساسات، أو لا يكون تأسيساً من الأصل.

فلا يمكن تأسيس المستقبل بأدوات الماضي، ولا بناء دولة المواطنة فوق قواعد دولة الامتيازات التاريخية، ولا تحرير القرار الوطني مع إبقاء البنية التي احتكرته، ولا الحديث عن دولة جديدة بينما تظل دولة وكلاء الاستعمار حاضرة في مؤسساتها وعلاقاتها ومنطقها في توزيع السلطة والثروة. التأسيس، بهذا المعنى، ليس إصلاحاً لدولة 56 ولا مصالحة معها ولا محاولة لإعادة هندستها كي تستوعب وجوهاً جديدة  إنه قطيعة تاريخية مع نموذج الدولة الاستعمارية العنصرية ، وبداية تأسيس دولة سودانية جديدة لا يكون فيها الوطن ملكية سياسية لأحد .. تكون فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات الدستورية .

وهذا هو المعنى الدقيق للتغيير الجذري… فالجذرية ليست صفة إضافية يمكن إلحاقها بالتأسيس أو حذفها منه بحسب مقتضيات اللحظة السياسية، وإنما هي جوهر التأسيس وشرط وجوده فلا تأسيس مع الإبقاء على قواعد الدولة القديمة، ولا تأسيس مع ترميم مؤسساتها، ولا تأسيس مع تبديل الأشخاص والإبقاء على مواقع القوة كما هي، ولا تأسيس مع إعادة توزيع المقاعد داخل البنية التاريخية ذاتها، ولا تأسيس مع المحافظة على منظومة الامتيازات التاريخية التي راكمت اختلال السلطة والثروة والتمثيل.

وحين يفقد التأسيس جذريته يتحول، بالضرورة، إلى إصلاح داخل النظام القائم أو تسوية معه، وعندها ينتفي عنه معنى التأسيس نفسه فالإصلاح يقبل الأصل ويحاول تهذيبه، أما التأسيس فيعيد النظر في الأصل ذاته. الإصلاح يغير بعض القوانين، أما التأسيس فيغير القواعد التي أنتجتها. الإصلاح قد يوسع دائرة المشاركة داخل مركز يحتكر السلطة، أما التأسيس فينهي قابلية المركز لاحتكارها  ولذلك فإن الفارق بينهما ليس في مقدار التغيير، وإنما في طبيعته ووجهته وعمقه التاريخي.

هذه الحقيقة هي المدخل الضروري لفهم مشروع تأسيس بعيداً عن اختزاله في التحالفات والأسماء والمواقع فالمشروع لا يقوم علي فرضية تطرح تساؤل حول  كيفية  المشاركة في دولة 56 ؟ بالطبع هو غير موجود في عقلية تأسيس بل من سؤال أكثر جذرية كيف نتجاوز نموذجها التاريخي ونؤسس دولة مختلفة عنه؟ إنه لا يبحث عن موقع أفضل داخل الدولة ، ولا يطالب فقط بحصة أكبر من السلطة، ولا يريد توسيع دائرة النظام القديم بإضافة نخب جديدة إلى النخب القديمة لأن ذلك كله يترك الدولة نفسها قائمة، ولا يغير سوى هوية الجالسين فوق هرمها.

والسودان لم يكن طوال تاريخه الحديث ضحية نقص في الاتفاقيات أو الحكومات أو المبادرات السياسية لقد جرّب الانقلابات والثورات والانتفاضات والعهود الانتقالية واتفاقات السلام وتقاسم السلطة، وتبدلت أسماء الحكام والتحالفات مراراً، لكن الأزمة ظلت قادرة على إعادة إنتاج نفسها وهذا وحده يكفي للقول إن المشكلة أعمق من الحكومة، وإن تغيير الأشخاص دون تغيير البنية لا يصنع تحولاً تاريخياً لقد ظل السؤال المؤسس للدولة معلقاً: لمن تعمل هذه الدولة؟ كيف توزع السلطة؟ كيف تدير الثروة؟ وكيف تتحول شعوب السودان من موضوع لقرارات المركز إلى شركاء متساوين في صناعة الدولة؟

من هنا تأتي القطيعة مع ما يسمى «دولة 56» أو «دولة وكلاء الاستعمار» والمقصود ليس إلغاء تاريخ السودان أو اختزال تعقيداته، وإنما تفكيك نموذج الدولة الذي ورث مركزية الحقبة الاستعمارية وأعاد إنتاجها بعد الاستقلال، فتركزت داخله السلطة والموارد ومؤسسات القرار، وتراكمت حوله امتيازات تاريخية حافظت على قدرتها على البقاء رغم تغير الحكومات إنها الدولة المركزية القابضة والخانقة التي ظلت تضيق قاعدة المشاركة في القرار، بينما تتسع المسافة بين مركز القوة وقطاعات واسعة من الشعوب السودانية.

ولذلك فإن القطيعة مع دولة وكلاء الاستعمار ليست نتيجة محتملة لمشروع تأسيس، بل شرطه الأول فإما قطيعة سياسية ودستورية ومؤسسية واقتصادية مع دولة 56 ومنطقها الأوليغارشي، وإما أننا لا نتحدث عن تأسيس، بل عن نسخة معدلة من الدولة القديمةالتأسيس لا يرمم بل يبني لا يعيد طلاء الجدران المتصدعة بل يراجع الأساسات التي جعلت التصدع ممكناً لا يسأل كيف تتسع الدولة القديمة لقوى جديدة بل كيف تُقام دولة لا يستطيع أحد احتكارها مرة أخرى.

وهنا تتضح أيضاً العلاقة بين التأسيس والامتيازات التاريخية فالتأسيس الحقيقي لا يستبدل أصحاب الامتيازات التاريخية بأصحاب امتيازات جدد، لأن ذلك لا يغير جوهر النظام، وإنما ينقل منافعه من جماعة إلى أخرى. المطلوب هو تفكيك القواعد التي تسمح أصلاً بتحويل الدولة إلى مصنع للامتيازات، بحيث لا تكون الوظيفة العامة أو القرار السياسي أو الموارد الاقتصادية أو المؤسسات السيادية مجالاً مغلقاً يعيد إنتاج الفوارق التاريخية. الدولة الجديدة ليست غنيمة تنتقل ملكيتها؛ إنها ملك عام يجب أن يتساوى أمامه المواطنون.

وعلى هذا الأساس يصبح التغيير الجذري هو المضمون العملي لكلمة «تأسيس» إعادة تعريف الدولة ووظيفتها، وإعادة بناء مؤسساتها، وإنهاء المركزية المحتكرة للقرار، وتفكيك الامتيازات التاريخية، وإقامة المواطنة المتساوية، وإعادة توزيع السلطة والثروة بعدالة، وإرساء حكم لا مركزي حقيقي، وبناء مؤسسات قضائية ومدنية وعسكرية وأمنية قومية خاضعة للدستور والقانون. تلك ليست تحسينات داخل دولة 56، وإنما شروط الانتقال التاريخي منها إلى دولة جديدة.

والتغيير الجذري بهذا المعنى لا يكتمل في الوثائق الدستورية وحدها يجب أن يظهر في الاقتصاد، وفي التعليم، وفي الخدمة المدنية، وفي القضاء، وفي إدارة الموارد، وفي التنمية، وفي علاقة المواطن بالمؤسسات العامة. فلا قيمة لحديث عن دولة جديدة إذا بقيت الثروة موزعة وفق الاختلالات القديمة، ولا معنى للمواطنة المتساوية إذا ظلت فرص الإنسان مرتبطة بموقعه الاجتماعي أو الجغرافي، ولا قيمة للامركزية إذا بقي القرار الحقيقي محتجزاً في دائرة ضيقة.

كما أن المؤسسة العسكرية والأمنية تقع في قلب عملية التأسيس، لا على هامشها فلا يمكن بناء دولة جديدة بمؤسسات قوة تعمل بمنطق الدولة القديمة أو تصبح طرفاً في تحديد من يحكم المطلوب مؤسسة عسكرية قومية مهنية خاضعة للدستور، وظيفتها حماية البلاد والمواطنين والنظام الدستوري، لا حماية نظام سياسي أو أيديولوجيا أو امتيازات تاريخية فالتغيير الجذري

What do you feel about this?