دار السلام عبد الله وداعة: صناعة العدو .. كيف تحمي الكراهية امتيازات الحرب؟
دار السلام عبد الله وداعة – رئيس حركة السودان المدني CSM
في كل مرة تطول فيها الحرب يتغير شكلها قليلاً
في البداية تكون البنادق هي التي تتحدث ثم تبدأ السياسة في البحث عن مبرراتها ويبدأ كل طرف في صناعة روايته عن الحرب وعن الآخر ومع الوقت لا يعود الصراع على السلطة وحدها بل يصبح صراعاً على الذاكرة والهوية والانتماء وعلى من يحق له أن يقول نحن أصحاب هذا البلد وأنتم لستم منا
وهنا يصبح خطاب الكراهية أخطر من مجرد كلمات تقال في منبر أو مقطع فيديو
لأنه يستطيع أن يفعل ما لا تستطيع البندقية وحدها أن تفعله وهو أن يقسم المجتمع من الداخل
ما أثاره حديث موسى هلال مؤخراً حول أصول بعض قبائل غرب السودان وانتمائها إلى تشاد لا أراه مناسبة للدخول في معركة جديدة حول الأنساب والتاريخ فالسودان وتشاد بينهما حدود حديثة لكن بين شعوبهما تاريخ طويل من الحركة والتجارة والمصاهرة والتداخل الاجتماعي وهذه حقيقة لا تحتاج إلى جدل
وموسي هلال نفسه كان مصاهراً الرئيس التشادي إدريس دِبي
لكن ما يعنيني أكثر هو السؤال الآخر
لماذا يصبح الحديث عن تشادية قبائل سودانية مهماً في هذا التوقيت؟
ولماذا تُختار قبائل بعينها لتكون موضوعاً لهذا النوع من الخطاب؟
هذا السؤال في رأيي أهم من الدخول في سجال حول أصل هذه القبيلة أو تلك
الحرب تفعل شيئاً خطيراً في المجتمعات فهي تجعل الإنسان يبحث عن تفسير سريع لكل ما يحدث حوله وغالباً ما يكون أسهل تفسير هو أن هناك آخراً يجب أن نلومه
وهكذا يتحول الجار إلى غريب والمختلف إلى خطر والقبيلة إلى معسكر
وبدلاً من أن نسأل لماذا انهارت الدولة ومن استفاد من ضعفها ومن يملك السلاح والمال والموارد نبدأ في سؤال بعضنا من أنت ومن أين أتى أجدادك؟
هذه النقلة ليست بريئة دائماً
عندما يصبح السوداني منشغلاً بإثبات سودانيته يكون أقل انشغالاً بالسؤال عن من ينهب السودان
وعندما يصبح المجتمع مشغولاً بالخلاف بين القبائل يصبح من الأسهل على أصحاب المصالح أن يواصلوا عملهم بعيداً عن أعين الناس
لهذا أعتقد أن خطاب الكراهية لا ينبغي أن نراه فقط باعتباره مشكلة أخلاقية أو اجتماعية بل علينا أن نراه أيضاً باعتباره أداة سياسية يمكن أن تُستخدم لتوجيه غضب الناس بعيداً عن القضايا الحقيقية
وهنا يفرض سؤال نفسه
إذا كانت هناك قبائل لها امتدادات اجتماعية عبر الحدود فلماذا تتحول قبائل معينة دون غيرها إلى موضوع للتشكيك في سودانيتها؟
ولماذا لا نضع الجميع أمام المعيار نفسه؟
أنا لا أطرح هذا السؤال دفاعاً عن قبيلة بعينها ولا رغبة في الدخول في معركة قبلية جديدة أطرحه لأن الانتقائية في استخدام الهوية تكشف شيئاً مهماً
فحين تستخدم الهوية ضد مجموعة محددة فإن الهدف لا يكون دائماً البحث عن الحقيقة بل قد يكون خلق صورة ذهنية عن هذه المجموعة بأنها دخيلة أو مرتبطة بالخارج أو أقل استحقاقاً للوجود السياسي والاجتماعي
وهذه صورة خطيرة خصوصاً في بلد يعيش حرباً
لأنك عندما تقنع الناس بأن مجموعة من مواطنيهم ليست جزءاً حقيقياً من البلد يصبح من السهل أن تقنعهم لاحقاً بأن إقصاءها أمر طبيعي
وربما يكون هذا أهم ما أريد قوله
لن أرد على خطاب يقول إن قبيلة ما تشادية بالقول إن قبيلة أخرى سودانية أكثر
لن أدخل في هذه اللعبة
لأنني إذا فعلت ذلك فأنا أقبل القاعدة نفسها التي أرفضها
السؤال ليس من الأصيل ومن الدخيل
السؤال هو هل نحن مستعدون لبناء دولة تكون المواطنة فيها أقوى من القبيلة؟
هذه هي المعركة الحقيقية
السوداني لا ينبغي أن يحتاج إلى شهادة في الأنساب حتى يثبت حقه في وطنه
ولا ينبغي أن يصبح أصل أسرته أو حركة أجداده عبر الحدود سبباً في التشكيك في مواطنته
إذا فتحنا هذا الباب فلن يتوقف الأمر عند قبيلة واحدة
اليوم يمكن أن يقال عن قبيلة إنها تشادية وغداً يمكن أن يقال عن أخرى إنها ليبية وبعدها تصبح قبيلة أخرى موضع شك
وفي النهاية ماذا يبقى من السودان؟
لهذا يجب أن ننتقل إلى السؤال الذي يخشاه كثيرون
من المستفيد؟
من المستفيد عندما نكره بعضنا؟
من المستفيد عندما تتحول دارفور إلى مجموعة من الجزر القبلية الخائفة من بعضها؟
من المستفيد عندما يصبح الناس مستعدين للقتال دفاعاً عن هويتهم بدلاً من المطالبة بحقوقهم؟
ومن المستفيد عندما تختفي الأسئلة المتعلقة بالمال والسلاح والموارد خلف دخان الصراع القبلي؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى موضوع لا يمكن تجاهله وهو اقتصاد الحرب
الحرب ليست فقط موتاً ونزوحاً ودماراً
هناك أيضاً من يربح منها
هناك من يبيع السلاح ومن ينقل السلع ومن يستفيد من انهيار الرقابة ومن يوسع نفوذه في ظل غياب الدولة ومن يستطيع الوصول إلى موارد لا يستطيع المواطن العادي الوصول إليها
وقد أصبحت التقارير الدولية تتحدث بوضوح أكبر عن اقتصاد الحرب في السودان وعن ارتباط السيطرة على الموارد وطرق التجارة باستمرار الصراع
وهنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا
السلام بالنسبة إلى المواطن العادي حياة لكنه بالنسبة إلى بعض المستفيدين من الحرب خسارة
قبل الحرب كانت هناك أسر وشبكات تتمتع بامتيازات واسعة بحكم قربها من الدولة والسياسة والتجارة
لم تكن المشكلة في أن بعض الناس كانوا أغنياء
المشكلة كانت في نظام يسمح للنفوذ السياسي بأن يتحول إلى ثروة وللعلاقة بالدولة إلى امتياز ولضعف المؤسسات إلى فرصة للفساد
ثم جاءت الحرب
وكان من الطبيعي أن تظهر فوق هذه البنية القديمة مصالح جديدة
تجار سلاح
شبكات تهريب
اقتصاد غير رسمي
دول جارة مستفيدة من الموارد
وأطراف إقليمية لديها مصالحها الخاصة في السودان
لا أقول إن كل من ينتمي إلى هذه الدوائر متشابه ولا أريد أن أضع اتهامات بلا دليل على أشخاص بعينهم
لكنني أقول إن اقتصاد الحرب أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها
وإذا أردنا إنهاء الحرب فعلاً فعلينا أن نسأل عن هذه المصالح بنفس الجدية التي نتحدث بها عن البنادق
فالحرب لا تستمر بالسلاح وحده
تحتاج إلى المال وتحتاج إلى رجال مستعدين للقتال وتحتاج أيضاً إلى قصة تجعل الناس يعتقدون أن القتال ضرورة
وهنا يأتي خطاب الكراهية
عندما يقال لشاب إن الطرف الآخر ليس سودانياً أو إن قبيلة بعينها جاءت من الخارج أو إن وجودها يمثل تهديداً له ولأسرته فإنك لا تعطيه معلومة فقط
أنت تعطيه سبباً للخوف
والخوف يجعل التعبئة أسهل
والغضب يجعل الانتقام أسهل
والانتقام يجعل الحرب أطول
لهذا فإن مقاومة خطاب الكراهية ليست ترفاً فكرياً
إنها جزء من مقاومة الحرب نفسها
وهناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة وهي الطريقة التي تُدار بها مساحة النقاش العام
في أوقات الأزمات تحتاج المجتمعات إلى أصوات هادئة وعقلانية وقادرة على التفريق بين الحقيقة والدعاية وبين نقد الفعل السياسي والتحريض ضد الجماعات
لكن حين يصبح الصوت الأكثر غضباً هو الأكثر انتشاراً وحين تتحول المنابر إلى منافسة في التخوين والإهانة والتعبئة يصبح العقل نفسه ضحية للحرب
العقلاني يقول تحققوا
والمحرض يقول صدقوا فوراً
العقلاني يسأل من المستفيد؟
والمحرض يقول هذا هو العدو
العقلاني يبحث عن المسؤولية الفردية
والمحرض يعاقب جماعة كاملة
وهنا تكمن إحدى أخطر وظائف النخبة غير المسؤولة وهي إبعاد العقلاء عن مركز النقاش وإبقاء الجمهور في حالة انفعال دائم
فالجمهور الغاضب أسهل تعبئة من الجمهور الذي يسأل عن الأدلة
والمجتمع المنقسم أسهل حكمه من المجتمع المتماسك
والمواطن الذي يخاف من جاره أقل قدرة على مساءلة من يحكمه
السودان لديه ما يكفي من الجراح
لدينا ملايين النازحين/ت و الاجئين /ت
لدينا أسر فقدت أبناءها
لدينا قرى دمرت
لدينا أطفال ولدوا في الحرب ولا يعرفون السودان إلا من خلال الخوف
ولدينا دولة ضعفت مؤسساتها واقتصاد ينهار ومستقبل كامل مهدد
في ظل كل ذلك هل نحتاج حقاً إلى اختراع عدو جديد داخل المجتمع؟
هل نحتاج إلى أن نقول لهذا السوداني أنت لست سودانياً بما يكفي؟
هل نحتاج إلى أن نقنع هذا المواطن بأن جاره أخطر عليه من الذين صنعوا اقتصاد الحرب؟
لا أعتقد ذلك
ما نحتاجه هو العكس تماماً
نحتاج إلى استعادة فكرة بسيطة فقدناها وسط الضجيج
نحن مواطنون قبل أن نكون قبائل
إذا أردنا سوداناً جديداً فلا يمكن أن نبنيه على الخوف من الآخر
لا يمكن أن نبني دولة ديمقراطية ونحن نمارس الإقصاء الاجتماعي
ولا يمكن أن نتحدث عن المواطنة المتساوية ونحن نقيس قيمة المواطن بحسب قبيلته أو أصله أو منطقته
ولا يمكن أن ننهي الحرب بينما نواصل إنتاج الأسباب الاجتماعية التي تجعل حرباً أخرى ممكنة
لهذا فإن معركتنا ليست مع قبيلة
وليست مع منطقة
وليست مع تشاد أو أي دولة أخرى
معركتنا مع نظام سياسي واجتماعي يجعل الاختلاف سبباً للصراع ويجعل الدولة مصدراً للامتياز ويجعل الموارد غنيمة ويجعل السلاح طريقاً إلى السلطة
وربما يكون السؤال الأكثر إزعاجاً لكل من استفاد من الحرب
من يخسر إذا انتهت؟
المواطن لن يخسر
الطفل لن يخسر
النازح لن يخسر
الأم التي تنتظر عودة ابنها لن تخسر
المزارع الذي يريد العودة إلى أرضه لن يخسر
التاجر الذي يريد أن يعمل في سوق آمن لن يخسر
لكن هناك من قد يخسر نفوذاً أو مالاً أو حماية أو قدرة على الوصول إلى الموارد
وهؤلاء هم الذين يجب أن ننظر إليهم
ليس بهدف الانتقام بل بهدف بناء دولة لا تسمح بأن تتحول الحرب إلى مهنة
السودان لا يحتاج إلى انتصار قبيلة على أخرى
ولا يحتاج إلى استبدال نخبة بنخبة
ولا يحتاج إلى إعادة إنتاج الدولة القديمة بوجوه جديدة
ما يحتاجه هو دولة يستطيع فيها المواطن أن يعيش دون أن يسأل نفسه كل صباح هل أنا من الجماعة الصحيحة؟
دولة تكون فيها المواطنة هي الأساس
وتكون فيها السلطة خاضعة للمساءلة
وتكون فيها الموارد ملكاً للشعب
وتكون فيها التجارة شفافة
ويكون فيها السلاح خارج السياسة
وتكون فيها العدالة للجميع
وأهم من ذلك كله مجتمع لا يسمح لأحد بأن يستخدم خوفه وكراهيته لتحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية
السودان لا يموت فقط عندما تسقط القنابل
السودان يموت أيضاً عندما ينجح أحد في إقناع السوداني بأن عدوه هو سوداني آخر
ولهذا فإن مقاومة خطاب الكراهية ليست قضية أخلاقية فحسب
إنها جزء من معركة إنهاء الحرب نفسها
وأنا لا أعتقد أن السودان سينجو إذا أصبح كل واحد منا خبيراً في إثبات أصل قبيلته
سينجو عندما يصبح السوداني خبيراً في السؤال عن حقوقه
عن الدولة
عن المال العام
عن السلاح
عن الفساد
عن من يقرر
ومن يملك
ومن يربح
ومن يدفع الثمن
لهذا عندما أسمع خطاباً يحاول أن يقسم السودانيين إلى أصيل ودخيل لا أريد أن أجيبه بخطاب قبلي آخر
أريد أن أسأل
من يريدنا أن ننشغل بهذا السؤال؟
وماذا لا يريدنا أن نراه بينما ننشغل به؟
ربما تكون هذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن نخوضها الآن
ليست معركة إثبات من هو سوداني
بل معركة استعادة السودان من كل من جعل الدولة ملكاً خاصاً وحول الموارد إلى غنيمة وحول الحرب إلى تجارة وحول الكراهية إلى وسيلة للبقاء
السودان ليس ملكاً لقبيلة
وليس ملكاً لأسرة
وليس ملكاً لحزب
وليس ملكاً لمن يحمل السلاح
السودان ملك لمواطنيه جميعاً
ومن حق كل سوداني أن يعيش فيه دون أن يطلب من أحد شهادة تثبت أنه سوداني
