عبدالعزير بخات: حرب بلا سبب واستمرار بلا مبرر
عبدالعزير بخات – محامي ومدافع عن حقوق الإنسان
هناك اسئلة في السودان لا يريد تجار الحرب ان يسمعوها لان مجرد طرحها يكشف هشاشة الرواية التي بنيت عليها سنوات من الدم
من الذي قرر ان يكون الحل هو البندقية؟
من الذي اقنع السودانيين ان قتل السودانيين يمكن ان يكون طريقا الى انقاذ السودان؟
ومن الذي منح نفسه حق تحويل الوطن الى ساحة حرب ثم مطالبة الضحايا بالتصفيق للمنتصر؟
هذه ليست حرب المواطن السوداني
المواطن لم يعلنها ولم يطلبها ولم يوقع على قرارها ولم يذهب الى ثكنات الجيش بحثا عن معركة
الحرب فرضت عليه ثم طلبوا منه ان يدفع ثمنها وان يصدق ان موته هو الطريق الى نجاته
اندلعت الحرب في الخامس عشر من ابريل 2023 داخل الخرطوم وبين الاحياء السكنية والاسواق والمرافق المدنية ثم امتدت الى بحري وام درمان والجزيرة ودارفور وكردفان ومناطق اخرى
ومنذ ذلك اليوم تحول السودان من دولة تعاني ازمات سياسية الى بلد يعيش كارثة انسانية مفتوحة
ملايين نزحوا وملايين عبروا الحدود
مدارس اغلقت ومستشفيات خرجت من الخدمة ومصانع ومزارع واسواق دمرت
اسر فقدت ابناءها واطفال فقدوا مدارسهم ونساء فقدن الامان وقرى فقدت اهلها
ثم حدثت المفارقة التي تختصر عبث المشهد كله
الحكومة نفسها غادرت الخرطوم الى بورتسودان بينما بقي المواطن عالقا بين الرصاصة والرصيف والمعسكر والحدود
دولة تبحث عن عاصمة بديلة ومواطن يبحث عن وطن بديل
ثم قيل للناس ان هذه حرب من اجل الدولة
فاي دولة تلك التي تهرب مؤسساتها ويطارد مواطنوها الامان خارج حدودها
واي كرامة تلك التي يصبح فيها المواطن نازحا حتى يثبت ان وطنه منتصر
لقد وصف البرهان الحرب في بدايتها بانها عبثية ثم تبدلت اللغة وظهرت شعارات النصر والكرامة والحسم والقضاء على التمرد
لكن الشعارات لا تغير طبيعة الكارثة
والسؤال هنا ليس من اطلق الرصاصة الاولى وحده
السؤال الاهم لماذا سمح اصحاب القرار بان يصل الخلاف السياسي والعسكري الى مرحلة يصبح فيها اطلاق النار هو الخيار المطروح
كان هناك مسار سياسي قائم وكانت هناك ترتيبات للانتقال المدني وكانت هناك مفاوضات حول الاصلاح الامني والعسكري وكانت قضية دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة محل نقاش سياسي وعسكري
وحتى اذا كان الخلاف عميقا فليس في ذلك ما يجعل الحرب الشاملة داخل المدن حتمية
الخلاف السياسي يعالج بالتفاوض
والخلاف العسكري يعالج بالترتيبات المهنية
اما تحويل العاصمة الى ساحة قتال فليس حلا سياسيا ولا اصلاحا عسكريا بل انهيار لفكرة الدولة نفسها
ومن الناحية القانونية لا يجوز تحويل الاتهامات السياسية الى احكام قضائية قبل التحقيق المستقل
لكن هذا لا يعني ان نصمت عن المسؤولية
كل انتهاك للقانون الدولي الانساني يجب ان يخضع للتحقيق وكل من تثبت مسؤوليته عن قتل المدنيين او استهدافهم او تعذيبهم او اغتصابهم او نهب ممتلكاتهم يجب ان يخضع للمحاسبة ايا كانت صفته وايا كان الشعار الذي يرفعه
لا توجد راية تجعل الجريمة بطولة
ولا رتبة عسكرية تجعل المدني هدفا مشروعا
ولا خطاب سياسي يحول القتل الى واجب وطني
بعد كل هذا الخراب يظل السؤال قائما
ما هو السبب الذي يستحق استمرار هذه الحرب
هل هناك قضية لا يمكن حلها بالتفاوض؟
هل هناك خلاف لا يمكن حله باتفاق سياسي؟
هل هناك سلطة تستحق ان يموت من اجلها طفل سوداني؟
هل يمكن لاعادة مدينة مدمرة ان تكون اهم من حياة إنسان؟
لقد استخدمت السلطة في السودان طوال عقود شعار القضاء على التمرد
لكن التمرد لم ينته
الحروب تبدلت اسماؤها والضحايا ظلوا سودانيين
من الجنوب الى دارفور ومن جبال النوبة الى النيل الازرق ومن الشرق الى كردفان ظلت الدولة تعالج ازمات السياسة بمنطق السلاح ثم تكتشف بعد سنوات ان السلاح لم يحل المشكلة بل وسعها
ولهذا فان استمرار الحرب اليوم لا يعني استمرار معركة من اجل الوطن بالضرورة
قد يعني استمرار شبكة مصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية تعيش على الحرب
فالحرب صنعت اقتصادا خاصا بها
السلاح له تجار
الذهب له تجار
التهريب له تجار
الوقود له تجار
والدم نفسه اصبح مادة في سوق السياسة
وهنا تصبح السخرية مرة
يقولون للمواطن اصبر حتى ننتصر
فيقول المواطن ماذا سأفعل بالنصر اذا لم يبق بيت ولا مدرسة ولا مستشفى ولا عمل
يقولون نحارب من اجلك
فيجيب المواطن اذن توقفوا عن تدمير حياتي
يقولون الكرامة
فيقول الجائع الكرامة لا تؤكل
ويقولون الجهاد
فيقول الاب الذي فقد ابنه ان الله لم يطلب منكم قتل اولادنا
ويقولون الحسم قريب
فيقول النازح لقد طال الانتظار حتى صار الوطن نفسه بعيدا
هذه ليست سخرية من المأساة
بل سخرية من خطاب يحاول تحويل المأساة الى انتصار
اما الحديث عن ان الحرب هي الطريق الوحيد لحماية السودان فهو يحتاج الى دليل لا الى مكبرات صوت
السودان لا يحميه المزيد من القبور
ولا تعيد الدولة بناءها بمدافعها
ولا تستعيد كرامتها بتجويع مواطنيها
ولا تنتصر على التمرد بتدمير المدن التي تقول انها تحررها
السودان يحتاج الى وقف اطلاق النار وفتح الممرات الانسانية وحماية المدنيين ثم عملية سياسية حقيقية تعالج جذور الازمة وتعيد بناء الدولة على اساس المواطنة وسيادة حكم القانون
ويجب ان يكون وقف الحرب بداية للعدالة لا بديلا عنها
فالسلام لا يعني العفو عن الجرائم
والعدالة لا تعني استمرار القتل
يمكن ايقاف الحرب ثم التحقيق في الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها
يمكن ان ينتهي القتال دون ان تنتهي العدالة
لكن لا يمكن اعادة السودان الى الحياة بينما يستمر الموت باعتباره سياسة دولة او مشروعا عسكريا
السؤال ليس هل يستطيع طرف عسكري ان يحقق انتصارا على طرف عسكري اخر
السؤال الحقيقي هل يستطيع السودان ان يبقى وطنا اذا استمرت هذه الحرب
وهل يستطيع طفل ولد في الحرب ان يفهم يوما لماذا كان يجب ان يفقد طفولته حتى ينتصر الكبار
السودان ليس ملكا للجيش
وليس ملكا للدعم السريع
وليس ملكا للاسلاميين
وليس ملكا لاي حزب او حركة او جماعة
السودان ملك لشعبه
ولهذا فان من يملك قرار استمرار الحرب مطالب بان يقدم للشعب سببا وطنيا واخلاقيا وقانونيا واحدا مقنعا لاستمرارها
فاذا عجز عن ذلك فليجب عن السؤال الذي لا يحتاج الى مؤتمر ولا لجنة ولا خطاب تلفزيوني
لماذا لا توقفون الحرب الان
لا توجد كرامة فوق حياة المواطن
ولا يوجد نصر يستحق وطنا مدمرا
ولا توجد سلطة تستحق شعبا بلا مستقبل
ولا يوجد سبب سياسي مهما كان حجمه يبرر استمرار هذه الكارثة الانسانية
الحرب بدأت بقرار من اصحاب السلاح
لكن نهايتها يجب ان تبدأ بقرار يحمي اصحاب الوطن
وقف اطلاق النارثم السلام والعدالة وبناء الدولة السودانية
