دكتور الوليد مادبو: ريشة برسي: حين استحال البيت الواحد إلى “سبعة بيوت”!
دكتور الوليد آدم مادبو
أعترف أن عشقي لكتابات برسي عشقٌ ملوّث، لا لأن النص يخذلني، بل لأنني أرى فيه أكثر مما يريد هو أن يُرى: أرى ظلال إبراهيم الكوني ويوسف زيدان يتعانفان ويتشاكسان فوق السطور، كأن كل حرف يطالب بحقه في الخلود، وكل شولة تطلب صاحبها الشرعي. فأقرأه وكأنني مقبلٌ على قبلةٍ محرّمة، قبلةٍ من امرأةٍ محصنة، لا أمارسها بل أكتفي برعشة التلذذ بمغارتها الموصدة.
أرهق إذ لا أستطيع الإسراع في القراءة ولا أملك الصبر على التمهّل؛ وأجد في هذا البطء نشوةً سرية، نشوة مَن تذبحه الحروف ببطء ولا يصرخ. كلما أعلنت التوبةَ عن هذه الخيانة النصية، أخرجتني نفسي اللوّامة من عزلتي، تهمس لي: ابتعد عن الملامة، وعد إلى المنامة ففيها الشجون ندامى.
عبقري الريشة إبراهيم برسي لا يرسم لوحات؛ بل يفتح أبوابًا موصدة ويجرّنا من أيدينا – حتى في نهار رمضان – إلى حيث لا نحب ولا نجرؤ. يضعنا وسط “سبعة بيوت”، ونساء الحِلة (الحارة) يراقبن خطانا، يتهامسن: فلان دخل، وفلانة خرجت، وربما تبلغ الشائعة أمهات عيالنا
قبل أن نخرج من هناك نحمل تبعات العار على ظهورنا.
في لوحات برسي، يصبح الوالي “بقال” مجرد “مرسال”، بجواره علبة مكياج رخيصة؛ وتنكشف هيئة حسين خوجلي حتى العظم، تضاريس جسده أصدق من تضاريس فكره. ندى القلعة وأم وضاح تقفان في المشهد بطرقات خجولة، يغطين ما يُفضح ويعرين ما يُستر، في رقص محرج لا هو بالغناء السادر ولا هو بالصمت الهادر. وعلى العتبة ينتظر وزير الثقافة كسمسارٍ رديء، يوزّع بطاقات الدخول إلى “سبعة بيوت” ويبارك هذا العهر السياسي باسم الدولة.
وفي الركن، ترقص رشان أوشي وعاشة الماجدي حول أعمدة من ذهب منهوب، يوزعان الغنج كما توزع صحفهما العناوين، لا فرق بين الجسد والمانشيت: كلاهما بضاعة للعرض، وكلاهما زينة تغطي عورة سلطةٍ لا تستر شيئًا من جرائم العسكر.
وحين جلستُ – في خيال اللوحة – إلى صاحبة “سبعة بيوت”، لم تستأذن في شيء. قدّمت لي زجاجة بيرة في نهار رمضان، كأنها تقول: هذا وطنك المستباح، لا مكان فيه للصيام ولا للقداسة. حدّثتني ببساطة صادمة عن زبائنها: هذا مُنح حق استيراد الجاز، وذاك احتكر تصدير الذهب، وثالث يسرق كوابل الكهرباء، ورابع يتخصص في المناقصات – خاصة تلك التي تتعلق “بإعادة الإعمار”، وخامس يقطع الغابات ليصنع الفحم ويهديه إلى الخارج. أما اللص الكبير – الذي لا يظهر إلا في المواسم – فقد احتكر عمولات السلاح، الخطابة، وبيع الأطيان بالجملة.
ضحكتْ صاحبة البيت، ضحكة باردة كخنجر أستل من جُعبة الرذيلة، ثم أضافت: “وال الله فاتح بصيرتو، يمد إيدو للخزينة طوالي… ياخد حقو حمرة عين”!
جلستُ مذهولًا. لم يكن حوارًا؛ كان محضرًا رسميًا لجريمة تدار في ساحة الوطن. حين خرجتُ من البيت، لم يخرجني برسي من كابوسه، بل تركني أجرجر خلفي خزيًا قديمًا. تذكرت فجأة جعفر نميري وهو يعلن “شريعته” ليطهر الخرطوم من العهر، إذ بدأ بإغلاق بيوت الدعارة وكأنه يغسل وجه المدينة بالماء البارد. لكن البلاد لم تطهر؛ لقد تحولت إلى ماخور، حين تحوّلت الشريعة إلى قناع، لا إلى قناعة.
ومن بعده جاء الكيزان، لم يطلبوا الفضيلة بل طلبوا الغنيمة. لبسوا لبوس الدين، وخدعوا الجماهير بالآيات والفتاوى، فيما كانت أيديهم تبحث عن الذهب والبترول والسلاح والخزائن. باسم الله سرقوا، وباسم الفضيلة نهبوا، وباسم الشريعة حوّلوا الوطن إلى “بيت كبير” تُدار فيه الصفقات، وتُعدم فيه الأحلام، ويُرجم فيه الشرفاء لجرأتهم على الحلم في ليلٍ آخر.
شبابٌ أغرقوا في النيل أو أُعدموا رميًا بالرصاص أو سجنوا أو طُردوا إلى المنافي لأنهم وقفوا يومًا في ساحة الاعتصام، فيما القتلة يتبادلون الغنائم حول مائدة “صاحبة البيت” (اللوحة أعلاه للفنانة إسراء سعيد)!
أدركت يومها أن ريشة برسي أخطر من أي بندقية، لأن البندقية تقتل الجسد، أما الريشة فتفضح الكذب وتقتل الوهم. في زمنٍ لم يعد للوطن سور ولا للسياسة معنى، صارت لوحاته شاهدةً على أكبر فضيحة تاريخية: وطنٌ كامل أُعيد تعريفه، لا كدولة، ولا كأمة، بل كخمّارة تُدار من خلف ستائر العهر المقدّس.
