مليح يعقوب: من مرحلة اللاعودة إلى عتبة الميلاد: تفكيك “سلطة التفسير” وصناعة المعجم الوطني البديل.

7
malih

مليح يعقوب

 

استهلال مرجعي:

يأتي هذا الطرح استكمالاً لمشروع “تفكيك المصطلحات المركزية”، وانتقالاً من مرحلة رصد “الوصم الهوياتي” إلى مرحلة التأسيس لـ “المعجم الإنتاجي”؛ سعياً لفك الارتباط بين الحِرفة والعِرق، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي السوداني على قواعد اقتصادية ونقابية صلبة.

مقدمة: “القبالة المعرفية” لميلاد السودانوية

كحلقةٍ مفصلية في مشروع “تفكيك المصطلحات”، ننتقل اليوم من تشخيص أزمة “الوصم” إلى مرحلة التأسيس. يمر المركز السوداني بمرحلة “انغلاق هوياتي” حادة، تسببت في تآكله واحتضاره، وصولاً إلى “مرحلة اللاعودة” لـ “سودان الامتيازات”. إن هذه “المحصلة الصفرية” نعتبرها البداية التمهيدية لمخاض ميلاد “سودان الحقائق”، الذي لن يتقدّم إلا عبر التأسيس لمعجم وطني بديل؛ يدمج طاقات النضال السلمي وبسالة الميدان المسلح في مسارٍ قيميٍّ واحد، ويُلزم الطرفين بالشراكة في فضاءات التأسيس لا التخندق في متاريس التخوين.

فالشعوب الواعية تنتصر بـ “الكلمة الشارحة” لا بـ “الوصمة الكاذبة”. إن ما نخطّه اليوم هو “قبالة معرفية” تهدف لإعادة تعريف “الوطن” قبل الكلمات؛ لضمان ألا تضيع دماء الشهداء والضحايا في صراعات عبثية غذتها مصطلحات مشوهة بالكراهية .

أولاً: جوهر الأزمة (سلطة التفسير والتغبيش المتعمد)

تكمن المعضلة السودانية في احتكار النخب المركزية (حاكمة ومعارضة) لـ “سلطة التفسير”؛ حيث انتزعت هذه النخب المصطلحات الشعبية والسوسيولوجية والمهنية من سياقها الطبيعي، وأقحمتها في دوائر الصراع الإثني. لقد نجح المركز في تحويل نماذج مثل: (الجلابة، البقارة، الأبالة، الرعاة، المزارعين) من مدلولاتها الإنتاجية والوظيفية إلى “جزر إثنية”؛ ليتحول التنوع من ثراء حضاري إلى “ألغام هوياتية” تُستخدم لتجييش القواعد وحماية الامتيازات التاريخية للنخبة.

إن الهدف من هذا التزييف هو “هندسة الوعي”؛ بحيث يرى المنتجُ (مزارعاً كان أو راعياً، جلابياً أو عربياً أو زرقاوياً) في أخيه المنتج عدواً وجودياً، بدلاً من أن يراه شريكاً في الأرض والمصير والإنتاج.

ثانياً: النتائج التحليلية (تفكيك سيمياء “الوصم” المركزي)

لقد وصل السودان القديم، المبني على التنميط الإقصائي، إلى مرحلة الاحتضار، وما نراه من مصطلحات مستحدثة كـ “قانون الوجوه الغريبة”، و”قانون المتعاونين” و”عرب الشتات”، و”الحشرات”، ليس إلا محاولات أخيرة للحفاظ على تلك الهيكلية المأزومة عبر:

التجميد العرقي للأنماط الإنتاجية والذي يتمثّل فى تحويل الفئات الاقتصادية الحيوية إلى “وحدات عرقية” متصارعة لتفتيت جبهة المنتجين.

استراتيجية “نزع البشرية” (Dehumanization): تستخدم استراتيجية الوصوم لشرعنة العنف المفرط وإخراج الخصم من دائرة الحقوق الإنسانية.

استراتيجية نزع المواطنة القانونية: عبر ابتكار المركز لمسميات تنميطية مثل “عرب الشتات” ضد مجتمعات البقارة والبقارة  و الحشرات ضد حواضن الحركة الشعبية لتحويل المكونات الأصيلة إلى “جسم غريب”؛ مما يمهد لنزع  المواطنة و الأرض (الحواكير) والسيادة.

خنق البديل المدني: وصم القوى السياسيّة المستنيرة بـ الارتزاق و “العمالة” لإبقاء الشعب في حالة “تغييب” سياسي.

ثالثاً: الإحلال المعرفي (من “الترميز الإثني” إلى “الهويات الإنتاجية”)

إن الخروج من نفق الصراع الوجودي يتطلب اجتراح لغة بديلة تُفكك الرموز الإثنية المأزومة وتستبدلها بـ “هويات إنتاجية” تجمع السودانيين على قاعدة المصلحة الاقتصادية لا النسب العرقي:

سيادة الفعل والإنتاج: إعادة بناء الهوية على قاعدة “الإنتاج”؛ فكل من يرعى الإبل هو “أبالي”، وكل من يفلح الأرض هو “مزارع”، وكل من يمتهن التجارة والتبادل السلعي هو “جلابي”؛ بصرف النظر عن أصولهم العرقية. هذا التحرير يحوّل المطالب من “نزاعات وجودية” إلى “حقوق مهنية ونقابية” تشمل حماية المسارات والتمويل الزراعي.

أنسنة ضحايا التهميش: إعادة تعريف “النازحين واللاجئين” بوصفهم “ضحايا التهميش التنموي وقوى الإعمار المعطلة”؛ وبذلك ننتقل من “الاستعطاف الإغاثي” إلى “الاستحقاق الوطني” في بناء الدولة.

تقنين المسارات والسيادة التنموية: مواجهة وصم “عرب الشتات” عبر إعادة تقنين المسارات، والمراحيل، والمصايف، والمخارف كحقوق إنتاجية أصيلة مرتبطة باراض و حواكير مستقرة. إن حركة الرعاة لا تعد شتاتاً، انما هي دورة إنتاجية تتطلب “دسترة المسار” لحماية حقوق المنتج الزراعي والرعوي معاً.

رابعاً: النتائج الاستراتيجية (خارطة الطريق نحو السودان الجديد)

التحوّل من “القبيلة” إلى “النقابة”: بناء مؤسسات مهنية عابرة للإثنيات (نقابة الرعاة، نقابة المزارعين) لتحويل الصراع من صراع “عِرقي دامٍ” إلى صراع “ديمقراطي مطلبي”.

تأصيل “السودانوية” كدولة حضارة: الاعتراف بالسودانوية بوصفها “تراكماً لطبقات حضارية” (كوشية، مسيحية، إسلامية)؛ مما ينهي جدلية الأصيل والوافد.

خامساً: التوصية النهائية (الهجوم المعرفي المنظم)

على مستنيري الهامش والمركز قيادة “هجوم معرفي منظّم” عبر صناعة المعجم البديل، والاستعلاء بالأخلاق والمعرفة للرد على خطاب الفتنة؛ فإثبات أن المركزية هي “وظيفة إدارية” لا “قيمة عرقية” هو السبيل لوضع المركز في حجمه الطبيعي كجهاز خدمي لا كحضيرة هوياتية.

خاتمة: عتبة الميلاد

لقد وصلنا إلى “مرحلة اللاعودة” مع السودان المشوّه، ووقفنا على “عتبة الميلاد” لسودان يُعرّف فيه الإنسان بـ “إسهامه الحضاري” لا بـ “وصمته العرقية”. إن المركزية قديمة قِدم النيل وليست منحة من أحد، والمواطنة تُنتزع بالاعتراف بالآخر فرضاً لا تفضلاً. إن “الاستعلاء بالمعرفة” هو طريقنا الوحيد لفرض واقع جديد يسع الجميع تحت مظلة السودانوية الجامعة.

What do you feel about this?