أحمد عثمان جبريل: ماذا تبقى من صبر السودانيين يا برهان؟

3
ahmed osman

أحمد عثمان جبريل

حين يخاطب قائد الدولة مواطنيه طالباً منهم الصبر في وطنٍ مثقلٍ بالحرب والانهيار، فإن السؤال هنا لا يعود عن قيمة الصبر، بل عن جدواه.. فالصبر في ذاته فضيلة إنسانية نبيلة، لكنه حين يتحول إلى فكر سياسي لإدارة الأزمات، يفقد معناه الأخلاقي ويتحول إلى عبء إضافي على شعب أنهكته سنوات الحرب القاسية وماقبلها.. والسودانيون، الذين خاضوا تجارب الحرب والنزوح والجوع وتآكل الدولة، لم يعودوا بحاجة إلى تذكيرهم بأنهم صبورون، بل إلى من يجيبهم:” إلى متى، إلى متى الصبر يابرهان”؟

 

❝ حين يطول الألم دون أفق، يتحول الصبر من فضيلة إلى إستنزاف.❞

—  إرنست بلوخ

(1)

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس خطاباً انفعالياً، بل سؤالاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد: “ماذا تبقى من صبر السودانيين؟”.. فالشعب الذي صبر على الحرب حين اشتعلت، وصبر على النزوح حين اتسعت دائرته، وصبر على انهيار الخدمات حين تلاشت، وصبر على الغلاء حين تجاوز حدود الاحتمال، لم يعد يُسأل عن قدرته على الصبر، بل عن الثمن الذي دفعه مقابل هذا الصبر الطويل، وما يزال.

(2)

حين يُطلب من الناس الصبر على انقطاع الكهرباء وشح الوقود، في بلد لم تخرج بعد من آثار الحرب، فإن السؤال الحقيقي الذي يتشكل في وعي المواطن هو: “هل هذا الصبر طريق إلى نهاية الأزمة أم مجرد إعادة إنتاج لها؟”. فالمواطن لا يعيش في منطقة الخطاب، بل في منطقة الواقع، حيث لا تُقاس المعاناة بالوصف بل بالأثر اليومي على حياته وكرامته ووجوده.

(3)

لقد أصبح الصبر في الحالة السودانية معادلة مقلوبة؛ فبدل أن يكون جسراً يعبر به الناس من الأزمة إلى التعافي، تحول في كثير من الأحيان إلى مساحة انتظار طويلة لا نهاية واضحة لها.. ومع كل أزمة جديدة، يتسع هذا الانتظار بدل أن يضيق، وتُضاف طبقة جديدة من المعاناة إلى طبقات سابقة لم تُحل بعد.

(4)

والواقع أنه لا يمكن فصل أزمات الخدمات عن سياقها الأكبر، أي الحرب ذاتها.. فالحرب ليست حدثًا منفصلًا عن حياة الناس اليومية، بل هي البنية التي أعادت تشكيل كل شيء: (الاقتصاد، الدولة، المدن، وحتى مفهوم الاستقرار نفسه).. لذلك فإن الحديث عن الكهرباء والوقود بمعزل عن الحرب يشبه الحديث عن الأعراض دون الاقتراب من المرض نفسه.

(5)

أما الإشارة إلى وجود أطراف تسعى لإطالة الأزمة أو تخريب البلاد، فهي رواية قد تحمل جزءًا من الحقيقة، لكنها لا تُعفي السلطة من مسؤوليتها الأساسية:” قدرة الحكم على إدارة الدولة في ظل الخطر، لا الاكتفاء بتفسيره.. فالحكم يُقاس بقدرته على حماية حياة الناس، لا فقط بشرح أسباب تعثرها.

(6)

ربما لا يعلم القائد البرهان تغيّر وعي السودانيين بفعل تراكم الألم.. لذا لم يعد السؤال لديهم من هو المسؤول فقط، بل متى ينتهي هذا المسار؟ متى تنتهي المعاناة ويعود الوطن إلى إمكانية العيش الطبيعي؟ متى تصبح الخدمات مستقرة لا استثناء يومياً؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها الخطابات المنفعلة، بل تجيب عنها القرارات والخطط والنتائج الملموسة.

(7)

ما نود قوله هنا، انه حين يتآكل الأمل، لا يصبح الخطر في الغضب، بل في اللامبالاة.. فالشعوب لا تنهار فقط عندما تثور، بل عندما تتوقف عن التوقع.. وحين يصل الناس إلى لحظة لا يعودون فيها ينتظرون تحسنًا، فإن الأزمة تكون قد انتقلت من مستوى الخدمات إلى مستوى الثقة ذاتها، وهنا تصبح إعادة البناء أكثر تعقيداً من إدارة الأزمة نفسها.

ليبقى السؤال الذي نفسه، ماذا تبقى من صبر السودانيين يا برهان؟ ..

لقد صبروا هؤلاء بما يكفي ليُختبروا كأمة كاملة، وتحملوا بما يكفي ليكتبوا سجلاً طويلاً ناصعاً ومشرفاً من الاحتمال الإنساني النادر.. لكن الصبر، مهما كان عظيماً، لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن الحلول.. فالأمم لا تُبنى على قدرتها على تحمل الألم، بل على قدرتها على إنهائه.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه شعباً ليس كثرة الأزمات، بل طول الانتظار دون أفق.. وحين لا يعود الصبر يقود إلى مستقبل، يصبح السؤال مشروعًا ومؤلماً في آن واحد: “إلى متى يُطلب من السودانيين أن يصبروا، بينما لا يُرى في الأفق ما يستحق هذا الصبر؟”.. إنا لله ياخ ..الله غالب.

What do you feel about this?