الجميل الفاضل: عنقودٌ من إنسانياتِ السودان يضيءُ على سجادةٍ قشّ؟!
الجميل الفاضل
ليست كلُّ الأمم تُقاس بما تُشيِّده من حجارة، ولا بما تكدِّسه من ذهبٍ وحديد، ولا بما تُحصيه من أسلحةٍ وأسواق.
ثمّة أممٌ لا يُرى معدنها في الأبراج العالية، وإنما في القلوب السليمة الطيبة؛ ولا يُعرف مقامها بما تملك، بل بما تمنح.
منها السودان، الذي مهما تكاثفت فوق سمائه سحبُ الحروب، يظلُّ واحداً من تلك البلاد التي خبّأت أثمن كنوزها في الإنسان نفسه؛ حتى إذا ضاقت الأرض بما رحبت، خرجت من تحت رمادها أغنية، ومن قلب قراها النائية حكمةٌ تكفي لإنقاذ العالم من وحشته.
ولعل أعظم ما خبأه السودان في جباله ليس الذهب، ولا النيل، ولا المراعي الممتدة، إنما ذلك النور الإنساني الذي تسرّب إلى شعرائه وأدبائه، حتى غدت قصائدهم تبرق علي سجادةً من قشٍّ بسيط، لكنها أرحب من قصور الملوك، وأدفأ من مواقد الإمبراطوريات.
تعال نتذوق معاً هذا العنقود، لا بلسان الفم، لكن بلسان الروح.
من أقاصي الشمال، من قريةٍ صغيرةٍ تكاد لا تراها خرائط السياسة، خرج محمد الحسن سالم “حميد” ليقول ما عجزت عن قوله آلاف المؤتمرات الدولية، لم يبدأ بالحدود، ولا بالأعراق، ولا بالمذاهب.
بدأ بآدم: «مش كلنا جينا من آدم؟..
مش آدم أبو البشرية؟
مد كفك يا بني آدم..
حرية، سلام، حرية.»
يا لبساطة هذه العبقرية!
فحين يعود الإنسان إلى أبيه الأول، تتهاوى فجأةً كل الأسوار التي بناها الكبر؛ فلا يبقى أبيض ولا أسود، ولا شرق ولا غرب، فقط يبقي أبناءُ أبٍ واحد، يجمعهم بياض النية قبل أن تجمعهم خرائط الأرض.
كأن حميد لا يكتب قصيدة، لكنه يعيد بهذا البشرية إلى طفولتها الأولى، يوم لم تكن الألوان سبباً للحروب، ولا الأنساب ذريعةً للاستعلاء.
ثم يأتي محمد طه القدال، فلا يزيد على تلك النار إلا دفئاً.
يعرف أن الحضارة لا تبدأ من القصور، وإنما من بيتٍ ينام فيه طفلٌ صغير مطمئناً.
ولهذا كان حلمه بسيطاً إلى حد العظمة:
«”عشان الناس تحب الناس…
وتنسى الوجعة والحرّار…
عشان الطفل لما ينام…
يشوف في نومه جنة غاب.”»
أيُّ تعريفٍ للسلام أعمق من هذا؟
فالسلام الحقيقي ليس اتفاقاً توقعه الحكومات، وإنما نومُ طفلٍ لا يقلق مضجعه طرقاً على الباب.
ولذلك كان القدال يكتب للوطن كما يكتب الفلاح لأرضه؛ لا ليغلب أحداً، لكن ليبقى القلب صالحاً للحب.
ثم ينهض محمد مفتاح الفيتوري، حاملاً جراح أفريقيا كلها، لكنه لا يوزعها كراهية، إنما يحولها إلى نور.
فيقول:
«قل لي: من أنت؟
أنا أنت…
ما جنسك؟ ما لونك؟
إنك زهرة هذا الوجود.»
هكذا تتحول السلاسل إلى أكاليل.
ويغدو الألم سلماً يصعد عليه الإنسان إلى حريته.
لم يكن “الفيتوري” ينتصر للونٍ على لون، وإنما كان ينتصر للإنسان على كل ما يُنقص إنسانيته.
ويأتي “محجوب شريف”، فلا يحمل فلسفةً معقدة، ولا خطاباً نخبوياً.
يحمل رغيفاً، ويحمل جاراً، ويحمل قلباً لا يعرف الكراهية:
«”ولا نكره زول…
وإذا الجار جاع… نقسم الرغيف…
وإذا العالم ضاق… نشيلو في العيون.”»
هذه العبارة المؤجزة البسيطة، تصلح وحدها دستوراً للأرض كلها.
أن يحمل “محجوب” شعوب العالم في عينيه، وهو نفسه مثقلٌ بالأوجاع والجراح، فذلك ليس شعراً.
ذلك مقامٌ أخلاقيٌّ نادر ورفيع.
ثم يجيء “الطيب صالح”، فيترك الشعر للرواية، لكنه يظل يعزف اللحن نفسه.
يسأل سؤالاً يبدو بسيطاً أيضاً، لكنه يهدم قروناً من الاستعلاء:
«هل الإنسان في أي مكان على كوكب الأرض يختلف عنا؟
يموت ويحيا، ويفرح ويحزن…
إننا جميعاً أبناء هذه الأرض.»
هنا عند الطيب صالح، تذوب الجهات الأربع، فلا يبقى شمالٌ ولا جنوب.
ولا شرقٌ ولا غرب.
بل إنسانٌ يمشي على الطين نفسه، ويتنفس الهواء نفسه، ويحلم بالحياة نفسها.
فحين نجمع هذه الحبات الخمس في عنقودٍ واحد، ندرك أننا لسنا أمام مصادفاتٍ أدبية، ولا مواهب فردية متناثرة، إنها ذاكرة، ذاكرةُ أمةٍ كاملة.
ذاكرةٌ ورثت من أعماق حضاراتها القديمة أن الإنسان أثمن من الغنيمة، وأن الضيف والجار أكرم من أي مكسب، وأن العدل أوسع من القوة.
ولهذا ظل يتكرر اللحن نفسه، وإن اختلفت الأسماء.
يتكرر في “حميد”، وفي “القدال”، وفي “الفيتوري”، وفي “محجوب شريف”، وفي “الطيب صالح”، وفي غيرهم.
كأن الجميع كانوا يشربون من نبعٍ واحدٍ لا نراه، لكنه يروي الوجدان السوداني منذ آلاف السنين.
ولعل العالم اليوم، وهو يترنح تحت وطأة الحروب، لا يحتاج إلى مزيدٍ من مصانع السلاح بقدر حاجته إلى شيءٍ من هذا العنقود.
يحتاج إلى بياض النية الذي بشّر به “حميد”.
ويحتاج إلى طفل “القدال” الذي ينام آمناً.
ويحتاج إلى زهرة الوجود عند “الفيتوري”.
ويحتاج إلى رغيف “محجوب شريف” الذي يتسع للجميع.
ويحتاج إلى طين “الطيب صالح”، الذي يمشي عليه البشر بالمناصفة، لا بالمغالبة.
ولذلك، فإن ما يعيشه السودان اليوم، على قسوته، لا يبدو نهاية الحكاية، بل مخاضاً عسيراً لذاكرةٍ تستعد للعودة، أري ملامحها من بعيد.
فالبلاد التي أنجبت هذا القدر من الرحمة، لا يمكن أن يكون قدرها الأخير ما نراه من خراب.
والأرض التي علمت أبناءها أن يحملوا العالم في عيونهم، لن تبقى طويلاً أسيرة الدم.
سيعود السودان، لا لأنه الأقوى سلاحاً، ولا لأنه الأغنى مالاً، لكن لأنه ربما يكون آخر البلاد التي ما زالت تحتفظ في قلبها بسرّ الإنسان.
علي أية حال، عندما يستيقظ هذا السر، لن ينهض السودان وحده.
لكن سيجد العالم كله يردد، كما لو أنها أنشودته الأولى:
“عقبال الخير يترادم
والدنيا تمش دغرية،
مد كفك يا بني آدم،
حرية، سلام، حرية”.
إذ يبدو أن العارف “حميد” له الرحمة والرضوان، كبني ادم صافي النية، كان علي يقين حتي من نوع “أغاني بكرة” التي ستأتي في حينھا.. تطمئن بسماعھا القلوب قائلا:
“وما بتحير بين الفوق
وبين الناس التحتانية
إلا مغير، ولا عقوق،
ولا كفيف الإنسانية.
ومنك وين يا كاشفة عيني،
بنور الإلفة ضي الحنية.
وحلم العالم ناس تتسالم
والبني آدم صافي النية.
للاطفال الناشفة ضلوعها
بطمن روعها، وتبدا تغنى
غناوى البكرة الكم مسموعة.
