سعد الدين الماحي: حلقة الكيماوي تضيق على البرهان .. هل وصل الجنرال لنهاية الطريق؟
سعد الدين الماحي
من الواضح ان قضية استخدام السلاح الكيميائي في السودان قد تعدت مرحلة الاتهامات الأمريكية التي استهجنها البرهان، بعد ما كشفته صحيفتا الواشنطون بوست والنيويورك تايمز من وثائق ورسائل وصور ومقاطع فيديو وشهادات شهود تشير إلى وجود برنامج سري لصناعة وتخزين واستخدام ذخائر محشوة بالكلور، ما يضع قيادة الجيش السوداني، وفي مقدمتها عبد الفتاح البرهان، أمام أسئلة يصعب التخلص منها بالنفي وحده.
فالتحقيق الذي نشرته «واشنطن بوست» لا يقدم صورة لعملية عشوائية أو مبادرة منفردة لضابط ميداني. بل أن المواد التي راجعتها الصحيفة تتحدث عن تحويل شحنات من الكلور، وتصنيع رؤوس حربية داخل منشآت عسكرية، واختبار ذخائر في مناطق صحراوية، وتخزين ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية، إلى جانب رسائل تتحدث عن استخدام 106 قنابل على الأقل. كما أظهرت مقاطع مصورة تجارب أطلقت خلالها ذخائر سحباً صفراء مخضرة، قال خبراء إنها تتوافق مع خصائص غاز الكلور.
وبحسب المواد التي حصلت عليها الصحيفة، كان ضابط يُدعى طارق مدني يظهر بصورة متكررة في الرسائل والوثائق المرتبطة بالبرنامج، فيما تشير المواد إلى تواصله مع مسؤولين عسكريين، وبينهم البرهان. وفي سبتمبر/أيلول 2025، أُرسلت إلى البرهان، وفق التحقيق، رسالة تطمئنه إلى أن قاعدة عسكرية كانت تُخزن فيها الأسلحة قد أُفرغت من الآثار والبقايا.
أما المفارقة الأكبر فكانت عندما أعلن البرهان عن تشكيل لجنة للتحقيق في الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية، وتضمنت الوثيقة الخاصة بالتحقيق – والتي تحمل توقيع البرهان – توجيهاً بإشراك ذات الضابط (طارق مدني) في اللجنة، بدعوى خبرته!
وإذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإن السؤال لم يعد فقط: من صنع السلاح الكيميائي؟ بل يصبح: من كان يعلم بوجوده؟ ومن كان يتابع استخدامه؟ ومن كان مسؤولاً عن إزالة آثاره؟ ما يجعل أصابع الاتهام تتجه نحو البرهان.
فالقول إن قائداً عسكرياً لا يعلم ببرنامج لإنتاج مئات الذخائر الكيميائية، داخل قواعد عسكرية، ويجري اختبارها وتخزينها وتداول تفاصيل استخدامها بين ضباط، يصبح أقل إقناعاً كلما اتسعت دائرة الأدلة. أما وجود مراسلات موجهة إليه بشأن إزالة آثار البرنامج، ثم توقيعه على وثيقة التحقيق التي تُشرك أحد الأسماء المرتبطة به، فيضيف طبقة أخرى من الأسئلة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية للبرهان الذي بنى جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية على تقديم الجيش باعتباره مؤسسة الدولة، وعلى خوض حرب يقول إنها دفاع عن السودان ومؤسساته في مواجهة قوات الدعم السريع. لكن ظهور أدلة متزايدة على برنامج للأسلحة الكيميائية داخل المؤسسة العسكرية، يضرب هذه الرواية في أكثر نقاطها حساسية.
فالجيش الذي يقدم نفسه بوصفه حامي الدولة لا يستطيع بسهولة أن يفسر وجود برنامج سري للذخائر الكيميائية، أو يشرح لماذا كانت هناك محاولات لإخفاء آثاره، أو لماذا ظهرت مراسلات بشأن استخدامه ضد مواقع للخصم.
لهذا قد يكون السؤال عن نهاية الطريق سابقاً لأوانه سياسياً، لكنه لم يعد مبالغاً فيه قانونياً. فالملف أصبح أكبر من قدرة الخرطوم على إغلاقه بتحقيق داخلي أو نفي رسمي. وإذا انتقلت الأدلة الجديدة إلى تحقيق دولي مستقل، وتمكنت الجهات المختصة من تحديد سلسلة القيادة والمسؤولين عن التصنيع والاستخدام، فإن القضية قد تتحول من فضيحة عسكرية إلى ملف مسؤولية جنائية فردية، وعندها لن يكون التحدي الأكبر أمام البرهان هو خصومه في الميدان، بل الأدلة التي قد تقوده، خطوة بعد أخرى، إلى السؤال الذي لا يستطيع أي نفي سياسي الإجابة عنه:
والسؤال هو أنه إذا كان السلاح الكيميائي قد صُنّع داخل مؤسسة يقودها البرهان، واستُخدم في حرب يخوضها جيشه، ووصلت إليه رسائل بشأن البرنامج وآثاره، فإلى أي حد يستطيع أن يقول إنه لم يكن يعلم؟
ربما لم يصل البرهان بعد إلى نهاية الطريق. لكن الأدلة الجديدة تشير إلى أن الطريق أمامه أصبح أقصر، وأكثر خطورة، وأقل قابلية للعودة إلى الوراء.
