مجدي محمد مصطفى ماكن: بين استخدام السلاح الكيميائي السام وهندسة الإبادة .. هل تؤسس العدالة التاريخية جيشاً جديداً أم تعيد تدوير المأساة؟

3
makn

مجدي محمد مصطفى ماكن – كارديف – المملكة المتحدة ‎

 

في الوقت الذي كنت أتابع فيه فعاليات منتدى الخيام الفكري في عاصمتنا الجميلة “نيالا” بسعادة واستبشار لمستقبل مغاير، أصدرت صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست تقارير استقصائية تؤكد ما ظل معروفاً وملموساً لجميع السودانيين. إن لجوء الجيش إلى استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً ليس مجرد سقطة أخلاقية جديدة لنظام استنفد مشروعيته العسكرية والسياسية، بل هو إعلان كيميائي فجّ عن طبيعة الدولة السودانية منذ نشأتها؛ دولة مركزية مأزومة لا ترى في مواطني أطرافها وهوامشها سوى أهداف مشروعة للإخضاع، ولا تدير حروبها إلا بعقيدة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي.

تقاطعت مداخلة مولانا محمد مختار النور في المنتدى حول “العدالة التاريخية” مع هذا الواقع الميداني الذي ينضح برائحة الكلور والفسفور والمقذوفات السامة. فالجيش الذي يضرب اليوم الهامش بتلك الأسلحة المحظورة هو الامتداد البنيوي لذات المؤسسة التي ضربت جبال النوبة بالبراميل المتفجرة، وأحرقت قرى جنوب السودان بطائرات الأنتونوف، ودشنت في 2003 محرقة الإبادة الجماعية في دارفور بتواطؤ أيديولوجي عروبي–إسلاموي قسّم البلاد إلى مركز يحتكر الحياة وهوامش مباحة الدماء والأعراض والأموال.

لكن تكشف هذه الحقائق يضع السودانيين “التأسيسيين” أمام المأزق الأكبر والأكثر إحراجاً وعمقاً؛ فالخطاب السياسي التأسيسي لا تنتهي مهمته عند إدانة المركز — وهي إدانة حسمها الأرشيف الجنائي والتاريخي — بل تكمن شجاعته في مواجهة استحقاقات هذا الخطاب داخل البيت التأسيسي ذاته.

سجل وطني للجرائم: سحب البساط من “عدالة المنتصر”

إن العدالة التاريخية، كما يجب أن تُفهم في أفق السودان الجديد، لا يمكن أن تقوم على خطاب المظلومية العائم، ولا عبر انتقائية تبرئ الحليف وتجرّم الخصم. لذا يقع على عاتق تحالف “تأسيس” مسؤولية أخلاقية وسياسية حاسمة لإحداث قطيعة مع بنية “دولة 1956″، ولن تكتمل تلك القطيعة دون الخطوة الأكثر جذرية: التأسيس لسجل تاريخي وطني شامل للجرائم والانتهاكات؛ مسار يمتد على خط زمني لا يستثني حقبة: من تصفيات الخمسينيات والستينيات، ومجازر السبعينيات والثمانينيات، وصولاً إلى محرقة التسعينيات في الجنوب وجبال النوبة، ثم مذابح 2003 في دارفور، وفض اعتصام القيادة العامة في 2019، وحرب أبريل 2023 وتداعياتها المستمرة.

هذا السجل لا يعترف بـ “حصانة الهوية”؛ بل يسأل بدقة جراحية:

  • من أصدر الأوامر؟ ومن نفذ على الأرض؟
  • من موّل الجريمة وسلّح قوافل العنف؟
  • من استفاد سياسياً واقتصادياً من الحروب والتهجير القسري وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين؟
  • من وفّر الحماية والتبرير الأيديولوجي، ومن استثمر في الحشد القبلي وشحذ النعرات الإثنية؟

إن عجز التحالف حتى اللحظة، أو تردده  في صياغة مشروع نافذ لكشف تاريخ المركز وآليات إنتاج العنف و تبني سردية (الحقيقة الكاملة) ينبع من واقع معقد لا يمكن القفز فوقه: بعض مكوّنات التحالف نفسه كانت جزءاً من ذلك التاريخ، هنا تبرز العقدة الوجودية؛ ماذا نفعل عندما يكون “الضحية” و”الجاني” جالسين على نفس منصة القيادة؟

التحالف ليس منظمة حقوقية محايدة، بل هو نواة سلطة ومشروع دولة جديدة ترفع لواء المواطنة المتساوية والقطيعة مع الهيمنة. لذا، فإن مصداقيته تبدأ من قدرته على إخضاع صفوفه وحلفائه لذات الميزان الأخلاقي والقانوني. الانتماء للمشروع التأسيسي لا يمنح صك براءة ولا حصانة بأثر رجعي، كما أن العمل السابق ضمن أجهزة الدولة القديمة لا يعني بالضرورة الإدانة التلقائية ما لم يقترن بجرائم مثبتة. المعيار الحاسم هنا هو الفصل المنهجي الصارم بين: المسؤولية السياسية، والمسؤولية المؤسسية، والمسؤولية الجنائية الفردية.

من نملي الى حلفا و من بورتسودان الى الجنينة – حين يتحول التحريض إلى ميراث

تفكيك الإرث الاجتماعي وتجريم البنية لا القبيلة

منذ عام 1956، لم يكن العنف في السودان حدثاً عابراً، بل آلية لإعادة إنتاج الامتياز واحتكار السلطة. تعاقبت الحروب في الجنوب السابق، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، بينما كان المركز السياسي والعسكري قادراً على إعادة تعريف حق الشعوب في العدالة بوصفه “تمرداً”، وتصوير الضحايا كـ “تهديد أمني”، وإعادة تعريف المساءلة واختزال المحاسبة في “مؤامرة خارجية”.

هنا يأتي أهم وأقوى أسلحة التحالف في كشف الغطاء عن دولة 56، حيث تبرز أهمية اعتماد الآليات القانونية المحكمة؛ منها (شهادة الملك) كأطر لكشف الحقيقة والاعتراف الطوعي المشروط، والسعي لبناء سجل وطني لجرائم دولة 56 ومؤسستها العسكرية المؤدلجة. الحقيقة لا تُنجَز ببيان سياسي عاطفي، بل تحتاج إلى أدلة قابلة للفحص القضائي، وسلسلة قيادة قابلة للتتبع، ومسؤولين خاضعين للمساءلة الفعلية.

غير أن المشكلة الأعمق تمتد إلى ما هو أبعد من الأرشيف الرسمي: سوسيولوجيا العنف والإرث الاجتماعي للجريمة.

ففي دارفور، كما في الجنوب وجبال النوبة، لم تبدأ المذابح لحظة إطلاق الرصاصة الأولى؛ بل سبقتها عقود من التعبئة، والفرز المناطقي، ونزع الإنسانية، وتحويل مجتمعات أصيلة إلى “آخر” مستباح الحقوق. لقد وظّف نظام المركز أيديولوجيته المتطرفة في إصدار فتاوى دينية وتوجيهات أمنية صريحة أطلقت يد المليشيات — كتلك الفتاوى والتعبئات التي شُرعنت بها فظائع 2003 باعترافات وشهادات حية لا تزال ماثلة — و التي اعتبرت دماء المجموعات السكانية في الهامش مباحة بلا وازع ، واعتبرت دماء “الزرقة” وأموالهم وأعراضهم حلالاً.

صنعت تلك السياسات أجيالاً تشرّبت ثقافة الإفلات من العقاب والتطبيع مع العنف المرتكب تحت مظلة الحماية القبلية. لكن تفكيك هذا الإرث الكارثي لن يتم عبر تبني عنصرية مضادة؛ فالجريمة لم تكن جريمة مجموعات إثنية أو قبائل بعينها، بل كانت جريمة خطط لها المركز الأمني والسياسي واستخدم أبناء الهوامش وقوداً لها. إن إدانة مجتمع أو قبيلة بجريرة أفراد منها يعيد إنتاج ذات المنطق الفاشي لدولة 1956.

المسؤولية يجب أن تكون فردية ومؤسسية واضحة المعالم: محرض، آمر، منفذ، ممول، متستر، أو مستفيد. أما مواجهة البيئة الاجتماعية الحاضنة للعنف، فتتطلب مشروعاً استراتيجياً تقوده: “اللجنة الوطنية للحقيقة والعدالة التاريخية وإعادة بناء الدولة”، وتتمثل مهمتها في تشريح:

1. تاريخ علاقة المركز بالأقاليم القائمة على التبعية والإفقار المنظم.

2. تاريخ التمييز المؤسسي وتوظيف الهوية العرقية والدينية في توزيع الثروة والسلطة.

3. هندسة عسكرة المجتمع وصناعة المليشيات كأداة لإدارة النزاعات.

4. اقتصاديات الحرب والنهب، وإعادة ترسيم ملكيات الأرض والموارد الحيوية.

5. خطاب الكراهية والدعاية التمييزية التي سوغت سلب كرامة الإنسان السوداني.

العدالة تبدأ في الميدان:

اختبار الشرعية في الحاضر

لا يملك تحالف “تأسيس” ترف الترويج لفكرة أن العدالة تبدأ “بعد صمت المدافع وقيام الدولة المنشودة”. فالتقارير الحقوقية المستقلة، وتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية — التي لا يزال اختصاصها سارياً في دارفور منذ يوليو 2002 حتى يومنا هذا — تثبت أن انتهاكات الحرب، والقصف العشوائي، وسقوط المدنيين، هي وقائع تتشكل في الوقت الراهن.

إن الشرعية الأخلاقية لمن يطرح نفسه بديلاً لمنظومة القمع والأسلحة السامة تتحدد بسلوكه العملي اليوم في مناطق سيطرته:

  • هل تبادر قيادة التحالف إلى مساءلة منسوبيها والتحقيق الفوري في أي انتهاك يطال المدنيين؟
  • هل تُرفع الحصانة عن القائد العسكري أو المسؤول السياسي متى ما لاحقته شبهة تجاوز؟
  • هل تحمي أجهزة التحالف المواطنين من المجموعات المعارضة له سياسياً بذات الصرامة والمسؤولية التي توفرها لحواضنه الاجتماعية؟

العدالة التاريخية ليست تنظيراً مجرداً يُلقى في الندوات، بل ممارسة أمنية وقضائية و سياسية قائمة على التجرد الأخلاقي، تقف على مسافة واحدة من كل دماء السودانيين. وبدون هذه الصرامة الميدانية، ستنحدر التجربة إلى مجرد “عدالة منتصر” هشة تستبدل نخباً بأخرى وتعيد تدوير الاستبداد ذاته.

عتبة السؤال الوجودي: الجيش الجديد وأمراض السودان القديم

في ذات المنتدى الفكري بنيالا، تقدم الأستاذ مكين تيراب مقرر التحالف بمداخلته الجوهرية حول “إنشاء الجيش الجديد”، بوصفه العمود الفقري الضامن لحماية التحول التأسيسي وحراسة دولة المواطنة الفيدرالية.

غير أن هذا الطرح يضعنا مباشرة أمام السؤال الأكثر إلحاحاً وإحراجاً لنا جميعا وللمشروع بكامله:

كيف يمكن بناء جيش جديد، قومي ومهني، في ظل ما تحمله الأجسام السياسية والعسكرية المشكّلة للتحالف من إرث وأمراض “السودان القديم”؟

كيف نؤسس لعقيدة عسكرية معاصرة متحررة من الولاءات الضيقة، ومبرأة من التجييش الإثني، واقتصاد الغنيمة، وثقافة الإفلات من العقاب؛ في وقت لا تزال فيه بعض التشكيلات السياسية والعسكرية التأسيسية تتأثر بآليات الحشد المناطقي والعصبية الأهلية التي أفرزتها صراعات البقاء ومقاومة المركز؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسألة تقنية أو بروتوكولاً عسكرياً، بل هي المحك التاريخي الذي سيحدد ما إذا كان “الجيش الجديد” هو حقاً درع السودان الفيدرالي القادم ودعامة سيادة حكم القانون، أم مجرد لافتة عسكرية جديدة تُعيد إنتاج الهيمنة بذات الأدوات القديمة.

هذا هو التحدي الأخلاقي و الوجودي والسياسي الذي لا يقبل المناورة.

What do you feel about this?