إيهاب الأمين: السلاح الكيميائي في السودان والأبعاد الاستراتيجية لأدلة الغاز الفتاك

1
kim

إيهاب الأمين

عادت قضية الأسلحة الكيميائية في السودان لتتصدر الواجهة الدولية بقوة بعد أن كشفت تقارير صحفية أميركية واسعة النطاق عن وثائق سرية وتسجيلات وصور تعزز فرضية قيام الجيش السوداني بتطوير واستخدام ذخائر تحتوي على غاز الكلور الفتاك في حرب الخرطوم ومحيطها وتاتي هذه التطورات لتنقل الاتهامات من مربع السجال السياسي والإدانات الشفهية الى مربع التوثيق الجنائي المبني على رصد استخباري دقيق شمل آلاف الرسائل النصية والمقاطع المرئية والملفات الصوتية التي اطلعت عليها صحف اميركية كبرى مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست وتشير تلك المعلومات المؤكدة المستندة الى ملفات استخباراتية إقليمية الى ان جهود الجيش في هذا الصدد بدأت بشكل مركز خلال عام 2024 عندما واجهت القوات المسلحة صعوبات ميدانية بالغة في استعادة السيطرة على مواقع حيوية في العاصمة من يد قوات الدعم السريع ووفقاً للوثائق فإن البرنامج العسكري السري الذي قاده ضباط رفيعو المستوى سعى لدمج غاز الكلور مع رؤوس متفجرة تقليدية لإنتاج قنابل بدائية قادرة على بث الغازات الخانقة في خنادق ومواقع الخصوم وتكمن المفارقة المأساوية في أن مصادر الحصول على الكلور شملت تحويل شحنات مخصصة أساساً لتنقية مياه الشرب ومكافحة الأوبئة مثل الكوليرا الى أغراض عسكرية وتظهر التسجيلات استخدام اسطوانات غاز انتزعت من منشآت مدنية وتخزين مئات الذخائر الكيميائية في قواعد جوية حيوية مثل مطار مروي وتحدثت الرسائل المتبادلة بين القادة العسكريين صراحة عن نجاح بعض التجارب الميدانية واستهداف مناطق قريبة من مصفاة الجيلي للنفط شمال الخرطوم وهي الحادثة التي ترافقت تاريخياً مع شكاوى ميدانية من حالات اختناق رصدتها طواقم طبية ووسائل إعلام دولية وتكتسب هذه القضية حساسية قانونية وسياسية قصوى كونها تضع القيادة العليا للجيش السوداني في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي إذ تشير الاتصالات المرصودة الى علم مباشر من القائد العام للجيش بجهود تطوير هذه الترسانة بل وإصداره توجيهات لاحقة بمحو كافة آثار البرنامج الكيميائي والتخلص من الأدلة عقب استشعار الرقابة الاميركية والدولية المتزايدة والتي اسفرت بالفعل عن فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية صارمة على الحكومة السودانية وقياداتها العسكرية بموجب قوانين حظر الاسلحة الكيميائية والبيولوجية الدولية ومن الناحية التحليلية فإن لجوء أي طرف في حرب أهلية الى أسلحة غير تقليدية يعكس حالة من الاستنزاف العسكري العالي والرغبة في حسم المعارك المستعصية مهما كلف الثمن البشري والأخلاقي وتعد هذه الخطوة خرقاً فاضحاً لاتفاقية حظر الاسلحة الكيميائية التي وقع عليها السودان سابقاً مما يجرد السلطة القائمة من جزء كبير من مشروعيتها السياسية أمام المنظومة الدولية وبالنظر الى التكهنات المستقبلية وما سيحدث في الفترات القادمة فان هذا الملف سيشكل أداة ضغط دبلوماسية فائقة القوة بيد القوى الكبرى ومن المتوقع ان تتصاعد وتيرة العقوبات الاميركية والاوروبية لتشمل حظراً كاملاً على مبيعات الاسلحة والإمداد اللوجستي مع امكانية تحريك الملف في مجلس الأمن الدولي لفرض تحقيق دولي مستقل تقوده منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على الارض رغم العقبات الميدانية التي قد تمنع وصول المفتشين الدوليين الى مواقع التخزين والإنتاج كما أن هذه الاتهامات الموثقة ستضع الدول الحليفة والاقليمية الداعمة للجيش السوداني في موقف حرج للغاية مما قد يدفعها الى تقليص دعمها العسكري علناً لتجنب العقوبات الثانوية او الإدانة الدولية وفي المقابل ستستغل قوى المعارضة والأطراف العسكرية المناوئة هذه الأدلة لتعزيز الرواية التي تطالب بنزع الشرعية الدولية عن قادة الجيش وتصنيف أفعالهم كجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية مما يمهد الطريق لملاحقات قضائية دولية أمام المحكمة الجنائية الدولية مستقبلاً وفي المحصلة فان عودة ملف الكيماوي الى الواجهة تعني أن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة بل تحولت إلى قضية أمن دولي مرتبطة بمنع انتشار واستخدام أسلحة الدمار الشامل مما سيؤدي حتماً الى تعميق العزلة الدولية المفروضة على السودان وإطالة أمد معاناة شعبه وسط انسداد أفق الحلول السياسية وتزايد التكلفة الإنسانية والاقتصادية يوماً بعد يوم وبصورة تجعل من الصعب استعادة الاستقرار دون محاسبة دولية شاملة وجذرية لكافة الانتهاكات المرتكبة صوناً للعدالة وحماية للمدنيين الابرياء.

What do you feel about this?