إيهاب الأمين: التحولات الجيوسياسية في البحر الأحمر وتداعيات التقارب السوداني الإيراني

5
port

إيهاب الأمين

تحدثت تقارير بحثية حديثة نشرتها بعض القنوات الإخبارية عن تحول السودان إلى حلقة جديدة في شبكة عسكرية ولوجستية تربط إيران بجماعة الحوثي في اليمن مستفيدة من الحرب السودانية وانفتاح سلطة بورتسودان المدعومة من الجماعات الإسلامية على الدعم العسكري الإيراني.

وتشير هذه المؤشرات الأخيرة إلى تحول جذري في موازين القوى بمنطقة البحر الأحمر حيث برزت السواحل السودانية المطلة على هذا الممر المائي الحيوي كحلقة جديدة في شبكة معقدة من التحالفات العسكرية واللوجستية وتكشف قراءات استخباراتية وسياسية عن توثيق أواصر التعاون بين طهران والجماعات المسلحة في اليمن مستغلةً حالة الانقسام الداخلي في السودان والانفتاح الواضح من قبل السلطة القائمة في بورتسودان على تلقي دعم عسكري نوعياً ولم يعد هذا التقارب مقتصراً على مجرد تدفق المسيرات أو الذخائر بل تطور ليصبح شبكة بحرية وبرية تشمل نقل الأسلحة والخبراء وتحويل المدن الساحلية السودانية إلى مراكز للتمويل والخدمات اللوجستية مما يخلق واقعاً جيوسياسياً جديداً يهدد الأمن الإقليمي والدولي.

وفي سياق تحليل المكاسب التي تجنيها حكومة بورتسودان من هذا التقارب يمكن القول إن الاستفادة تأتي على مستويات متعددة ومباشرة فمن الناحية العسكرية تحصل القوات الموالية للحكومة على أسلحة متطورة وأنظمة رادار ومسيّرات تعزز من قدراتها القتالية في مواجهة خصومها الداخليين مما يمنحها ورقة ضغط قوية على الأرض أما على الصعيد المالي والسياسي فإن الدعم الإيراني يوفر شريان حياة اقتصادياً وسياسياً يساعد في كسر حالة العزلة المفروضة ويوفر غطاءً دبلوماسياً بديلاً عن الغطاء العربي التقليدي وهذا التقارب يمنح السلطة في بورتسودان قدرة على المناورة وإطالة أمد بقائها في السلطة مستفيدةً من الحاجة الإيرانية إلى موطئ قدم على الساحل الأفريقي للبحر الأحمر لتعزيز نفوذها الإقليمي.

في المقابل تنطوي هذه الخطوة على مخاطر جسيمة قد تنعكس سلباً على كيان الحكومة ذاتها لأن الانخراط في شبكة إيرانية يمنية يعرض السودان لعقوبات دولية قاسية قد تشل اقتصاده الهش أصلاً وتؤدي إلى تجميد أصوله في البنوك العالمية علاوة على ذلك فإن استضافة خبراء وعناصر من دول مصنفة كداعمة للإرهاب تجعل من السواحل السودانية أهدافاً مشروعة لأي ضربات استباقية قد تشنها دول إقليمية أو دولية لحماية مصالحها في البحر الأحمر كما أن هذا التوجه يعمق من حالة الانقسام الداخلي ويمنح الخصوم المحليين ذريعة قوية لتوصيف الحكومة الحالية بأنها وكيل خارجي مما يفقدها ما تبقى من شرعية وطنية ويهدد بانهيار كامل لبنية الدولة إذا ما تصاعدت المواجهات.

بالنظر إلى ردود الأفعال المتوقعة وتأثير هذا التحول على علاقات بورتسودان مع الدول الأخرى فإن المشهد يتسم بالتوتر الشديد فالدول الخليجية وعلى رأسها السعودية والإمارات ستنظر إلى هذا التقارب بقلق بالغ باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي ولمصالحها الحيوية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وقد يؤدي هذا إلى قطع الدعم المالي والسياسي الذي كانت تقدمه بعض هذه الدول أو على الأقل إعادة تقييمه بشكل جذري. مصر أيضاً ستشعر بتهديد أمني مباشر على حدودها الجنوبية وعلى نهر النيل مما قد يدفعها لاتخاذ مواقف أكثر صلابة أو حتى التلويح بتدخلات لحماية أمنها القومي وعلى الصعيد الدولي ستواجه الحكومة السودانية ضغوطاً أمريكية وأوروبية غير مسبوقة وقد يتم تصنيفها كدولة مارقة مما يغلق أمامها أبواب المؤسسات المالية الدولية ويحرمها من أي دعم لإعادة الإعمار أو الاستقرار الاقتصادي.

ومن المحاور الإضافية التي تفرض نفسها في هذا السياق التأثير المباشر على حركة الملاحة التجارية العالمية فتحويل السواحل السودانية إلى نقطة انطلاق لعمليات قد تستهدف السفن التجارية سيؤدي إلى رفع تكاليف التأمين والشحن مما يضر بالاقتصاد العالمي ويدفع القوى البحرية الدولية إلى نشر قوات أكبر في المنطقة وهو ما قد يزيد من تعقيد الأوضاع الأمنية كما أن هذا التطور يمثل ضربة قاضية لمسار التطبيع مع إسرائيل والذي كان السودان قد خطا فيه خطوات ملموسة قبل اندلاع الحرب الحالية. إن التراجع عن هذا المسار والانحياز إلى المحور الإيراني يعيد رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط ويحول السودان إلى ساحة جديدة للحرب بالوكالة حيث تتصارع المصالح الإيرانية من جهة والتحالفات العربية والغربية من جهة أخرى على حساب استقرار الشعب السوداني وتطلعاته في بناء دولة مدنية موحدة.

إن ما يحدث في بورتسودان ليس مجرد مناورة تكتيكية ضمن حرب أهلية ممتدة بل هو تحول استراتيجي يمس صميم الأمن القومي العربي والدولي والرهان على الدعم الخارجي المتطرف قد يوفر مكاسب آنية للسلطة القائمة لكنه في المحصلة النهائية يقود البلاد إلى هاوية العزلة والخراب. إن المجتمع الدولي مطالب بالتدخل العاجل ليس فقط لوقف تدفق الأسلحة بل لمعالجة الجذور العميقة للأزمة السودانية لضمان ألا يبقى البحر الأحمر مسرحاً للتوترات بل يعود إلى كونه ممراً حيوياً للتجارة والسلام الدوليين.

What do you feel about this?