يقظة القطاعات الحية: نسائم الثورة الأكبر في عتمة الحرب!!
تحليل: أشرف عبدالعزيز
تخوض سلطة الأمر الواقع صراعاً مستميتاً لتثبيت حكمها وشرعنة حضورها السياسي عبر إغراق المشهد في المبادرات الشكلية وحوارات المحاصصة المفصلة في الغرف المغلقة، مغيبةً وعيها عن الواقع المعيشي الكارثي الذي يكابد فيه المواطن السوداني أوضاعاً خانقة، ونزيفاً اقتصادياً متصاعداً أكل الأخضر واليابس جراء استمرار الحرب.
لكن هذا الانفصال التام بين الانشغال التكتيكي بالشرعية وبين التدهور المريع لأساسيات الحياة، قوبل بتشكل وعي جماهيري جديد؛ إذ يبدو واضحاً أن القبضة العسكرية الصارمة وضجيج المدافع لم ينجحا في إخفاء أصوات الرفض، حيث بدأت تشهد مختلف القطاعات حراكاً احتجاجياً متزامناً وممتداً يكسر حاجز الخوف، ويؤسس لمرحلة جديدة من الرفض والمقاومة السلمية.
يتجلى هذا التحول في اتساع رقعة الإضرابات المطلبية والمهنية التي امتدت لتطال قطاعات حيوية وسيادية في أكثر من ولاية. فالقطاع الصحي، وهو شريان الحياة الأخير للمواطنين، يواصل إضراباً متصاعداً يشمل مئات المراكز الصحية في العاصمة الخرطوم احتجاجاً على استمرار تهميش الكوادر الطبية وتأخر الاستحقاقات، واضطرار الأطباء للإنفاق من أرقامهم الخاصة للاستمرار في أداء واجبهم.
ولم تكن المؤسسات الأكاديمية العريقة بعيدة عن هذا الغليان؛ إذ انتفضت الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم برفض قاطع للتجاوزات الإدارية وتهميش رأس المال البشري للجامعة من العقول والخبرات، محذرة من تدمير الذاكرة العلمية للبلاد، ومُعلنةً حزمة تصعيدية لحماية كرامة منسوبيها.
إن امتداد الغليان إلى القطاعات الاقتصادية والإنتاجية يكشف عن عمق المأزق الذي تعيشه سلطة الحرب، إذ تجسد ذلك في الرفض الواسع والمقاومة المفتوحة لسياسة الجباية المجحفة والضرائب المضاعفة التي حاول وزير المالية فرضها، مما دفع بتجار سوق عطبرة إلى تنفيذ إضراب مفتوح لمواجهة النهج المالي المعتمد على استنزاف المواطنين وأصحاب الأنشطة الصغيرة لتغطية كلفة الفشل والتضخم.
وعلى ذات النسق، شهد مشروع الجزيرة والمناقل، وهو السلة الغذائية الأهم في البلاد، صراعاً وحراكاً استثنائياً بين القواعد الزراعية والمؤسسات الفوقية، أظهر وعياً تمسك فيه المزارعون بأجسامهم المستقلة ورفضوا التجاوزات والإقصاء وشبهات التدخل، معلنين التمسك بحقوقهم الأصيلة في إدارة الموارد ورسم مستقبل الإنتاج.
ولم يتوقف هذا المد الجماهيري عند العاصمة أو القطاعات المهنية الكبرى، بل امتد ليتخذ طابعاً مطلبياً شعبياً في أقاليم سودانية أخرى؛ حيث انتفض الحراك الشعبي في حلفا الجديدة بولاية كسلا لحماية المؤسسات التعليمية والأصول المدرسية من محاولات التغول والاستثمار التجاري على حساب مستقبل الطلاب، ملوحاً بالتصعيد الميداني ومشدداً على حماية مكتسبات الأجيال.
وفي الوقت نفسه، فتحت التمييزات المالية والمنح الكارثية التي خُصصت لموظفي وزارة المالية في بورتسودان جبهة احتجاج حادة قادتها لجنة المعلمين السودانيين، التي تعرى أمامها السلوك الازدواجي للحكومة في التعاطي مع المال العام، ليخرج المعلمون برفض قاطع لسياسة التسويف، مطالبين بالشفافية والتحقيق وداعين لاسترداد الحقوق بكافة الوسائل المشروعة.
إن القراءة الكلية لهذه المشاهد المتفرقة تؤكد أن البلاد لا تقف أمام مطالب فئوية معزولة، بل تشهد حالة تشكل تدريجي لغضب شعبي عارم يجمع المتضررين من الغلاء، والفقر، ونهب الموارد، والقبضة الأمنية المتسلطة. إن هذه الاحتجاجات التي يتسع نطاقها يومياً من الخرطوم إلى عطبرة ومن الجزيرة إلى كسلا، تمثل الحاضنة الحقيقية ليقظة مجتمعية فارقة، يقظة تثبت أن جذر ثورة ديسمبر المجيدة ما يزال حياً ونابضاً في وجدان الشعب السوداني.
وإذا ما قيّد لهذه الحركات الفئوية والنقابية والمطلبية أن تلتئم في تشبيك تنظيمي موحد وخطاب استراتيجي جامع، فإنها بلا شك ستشكل الشرارة الأولى للثورة القادمة التي ستقتلع كل محاولات الشرعنة الزائفة وتنهي عهد الحرب والسيطرة العسكرية إلى غير رجعة.
