أماني وداعة: الشهادة السودانية في مناطق تأسيس .. حين انتزع الهامش حقه في التعليم من قبضة المركز
أماني وداعة
لم تكن نتيجة الشهادة السودانية في مناطق تأسيس مجرد إعلان عن درجات الطلاب ولا مناسبة تعليمية عادية يمكن فصلها عن الظروف التي يعيشها السودان، فقد جاءت في وقت أغلقت فيه الحرب المدارس وقطعت الطريق أمام آلاف الطلاب وجعلت مواصلة التعليم بالنسبة إلى كثيرين أمراً صعباً خاصة في المناطق التي عانت أصلاً لسنوات من ضعف الخدمات والحروب والتهميش، وكان وصول الطلاب إلى قاعات الامتحان في حد ذاته أمراً مهماً، فهؤلاء لم يعيشوا عاماً دراسياً عادياً وإنما واجهوا الحرب والنزوح وعدم الاستقرار، وظل بعضهم لفترة طويلة لا يعرف إن كان سيتمكن من إكمال دراسته أو الجلوس للامتحان، ومن هنا لم تكن النتيجة بالنسبة إليهم مجرد درجات وشهادة بل كانت استعادة لفرصة كادت أن تضيع.
وهنا تحديداً تظهر أهمية ما حدث في مناطق تأسيس لأنها فتحت أمام هؤلاء الطلاب طريقاً لمواصلة تعليمهم في وقت كانت فيه الحرب تهدد بإغلاق هذا الطريق، والطالب الذي جلس للامتحان لم يكن يطلب شيئاً استثنائياً بل كان يريد حقاً طبيعياً يفترض أن يكون متاحاً لكل طالب سوداني: أن يدرس ويمتحن ويحصل على شهادة تمكنه من مواصلة تعليمه.
لكن الحديث عن هذا الحق يقودنا إلى مشكلة أكبر من الامتحانات نفسها وهي مشكلة المركز والهامش في السودان، فالتعليم مثل الصحة وبقية الخدمات ظل يكشف طوال سنوات حجم التفاوت بين مناطق البلاد، ففي الوقت الذي تتوفر فيه فرص أفضل في بعض المدن والمناطق ظلت مناطق أخرى تعاني من ضعف المدارس والجامعات والبنية التحتية ثم جاءت الحروب لتزيد هذا الواقع سوءاً. لذلك لا يمكن النظر إلى التعليم باعتباره خدمة منفصلة عن شكل الدولة وطريقة إدارتها فالدولة العادلة هي التي يجد فيها الطالب حقه في التعليم أينما كان سواء عاش في الخرطوم أو دارفور أو كردفان أو النيل الأزرق أو غيرها، لأن المواطنة لا يفترض أن تتغير قيمتها بتغير المكان الذي يعيش فيه الإنسان.
وهذه واحدة من المشكلات التي ظل الهامش السوداني يشتكي منها لعقود، فقد ظل سكان هذه المناطق لا يحصلون على نصيب عادل من الخدمات والفرص وأن القرارات الأساسية تظل مرتبطة بالمركز، كما تركت سنوات حكم الإسلاميين والحروب التي شهدتها البلاد آثاراً كبيرة في هذه المناطق وعمقت الشعور بأن الدولة لم تكن تتعامل مع جميع مواطنيها بالطريقة نفسها.
ومن هنا تأتي أهمية أن يبدأ الهامش في البحث عن حلول لمشكلاته بدلاً من الانتظار المستمر لما يأتي من المركز، وتجربة الامتحانات في مناطق تأسيس يمكن النظر إليها من هذه الزاوية، باعتبارها محاولة لإيجاد حل لمشكلة حقيقية واجهت الطلاب في ظل الحرب، ومنحهم فرصة للاستمرار بدلاً من خسارة سنوات أخرى من حياتهم.
لكن نجاح أي تجربة من هذا النوع لا يقاس فقط بإجراء الامتحانات أو إعلان النتائج وإنما بقدرتها على الاستمرار وتحسين حياة الناس، ولهذا تحمل نتيجة الشهادة في مناطق تأسيس معنى يتجاوز فرحة الطلاب وأسرهم، فهي تضع أمامنا صورة مختلفة لمناطق اعتاد السودانيون أن يسمعوا عنها في أخبار الحرب والنزوح، بينما يظهر أبناؤها هذه المرة من خلال التعليم والنجاح والرغبة في مواصلة حياتهم، ومع ذلك فإن إعلان النتيجة ليس نهاية الطريق بل ربما يكون بدايته، فالسؤال المهم الآن هو ماذا بعد؟ هل سيتمكن هؤلاء الطلاب من دخول الجامعات والمعاهد؟ وهل ستتوفر لهم فرص حقيقية لمواصلة تعليمهم؟ وهل يمكن الحفاظ على العملية التعليمية وجعلها أكثر انتظاماً واستقراراً خلال الفترة المقبلة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية لهذه التجربة، لأن الطالب لا يحتاج فقط إلى شهادة يحملها وإنما إلى طريق مفتوح بعدها نحو الجامعة والعمل والمستقبل، وإذا لم تتوفر هذه الخطوات فإن جزءاً كبيراً من الإنجاز سيظل ناقصاً، وهنا أيضاً يأتي الاختبار الأكبر أمام تأسيس، فإذا كانت تنتقد الدولة القديمة بسبب التهميش واحتكار السلطة والخدمات في المركز فعليها ألا تعيد إنتاج الأخطاء نفسها في المناطق التي تديرها، فالهامش الذي عانى من ظلم المركز لا يحتاج إلى مركز جديد وإنما يحتاج إلى طريقة مختلفة في إدارة الدولة تقوم على العدالة والمساواة وإتاحة الفرص للجميع، لهذا فإن ما حدث يستحق التوقف عنده ليس باعتباره حلاً لأزمة التعليم في السودان ولا باعتباره نهاية لمعاناة الطلاب، وإنما باعتباره خطوة أعادت لعدد منهم فرصة كانوا يخشون فقدانها بسبب الحرب.
وفي بلد يعيش حرباً طويلة قد تبدو هذه الخطوة صغيرة أمام حجم الأزمة لكنها بالنسبة إلى الطالب الذي جلس للامتحان وانتظر النتيجة ليست صغيرة، فهي تعني سنة من عمره وفرصة لدخول الجامعة وحلماً بالعمل وأملاً في حياة مختلفة عن واقع الحرب الذي عاشه، وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم، أن أبناء الهامش لا يريدون أن يبقوا أسرى للحرب أو التهميش ولا أن يظل مستقبلهم معلقاً بما يقرره المركز لهم، إنهم يريدون حقهم في التعليم وحقهم في الفرص وحقهم في أن يكونوا جزءاً من مستقبل السودان، وهي في النهاية ليست مطالب استثنائية ولا امتيازات وإنما حقوق طبيعية يفترض أن تكون متاحة لكل سوداني، أينما كان.
شكراً لحكومة تأسيس التي بذلت جهداً كبيراً في الإعداد والترتيب لعقد الامتحانات ومتابعة عمليات التصحيح وإعلان النتائج انطلاقاً من إدراكها لأهمية التعليم وحق الطلاب في مواصلة مستقبلهم مهما كانت ظروف الحرب، فما كان ينبغي أن تحتكر سلطة بورتسودان هذا الحق أو أن تقصي آلاف الطلاب في مناطق الهامش وتحرمهم من الجلوس للامتحانات بسبب خلاف سياسي أو عسكري لا علاقة لهم به، وشكراً لتأسيس لأنها أعادت الأمل إلى هؤلاء الطلاب وأسرهم ومنحتهم فرصة لمواصلة الطريق الذي كاد أن تقطعه الحرب، وألف مبروك للطالبات والطلاب الذين نجحوا ولأسرهم التي انتظرت هذه اللحظة وتحملت معهم ظروفاً صعبة مع الأمنيات لهم بأن تكون هذه الشهادة بداية لطريق جديد نحو الجامعات ومستقبل أفضل.
