شاكر رابح: مفارقات الاستعمار المصرى للسودان

1
shakir

شاكر رابح

تاريخ طويل من الوصاية المصرية علي السودان وظل التدخل المصرى في الشان الداخلي السوداني حاضرًا بقوة في مسارها السياسي والدبلماسي، وقد أسهم هذا التدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في خلق حالة من عدم الاستقرار ، بل كرس هذا التدخل السافر للانقلابات العسكرية كوسيلة للحكم وحارب الحكومات الديمقراطية على قصر فترة حكمها وآخرها حكومة حمدوك عقب ثورة ديسمبر (2019)،

البداية الفعلية للتدخل المصري في الشأن السودانى واذا تجاوزنا فترة حكم ملوك كوش لمصر الدنيا والحروب التي نشاءات في تلك الفترة، وبالعودة للتاريخ الحديث نسبيا تعتبر بداية الغزو (الاستعمار) المصري للسودان في عهدين منفصلين.

ومن المعلوم بالضرورة بدأ (الاستعمار) المصري للسودان الحديث في عام 1820 عندما امر محمد علي باشا جيشه بغزو السودان بهدف التوسع وبسط السيطرة، وانقسم تاريخياً إلى مرحلتين منفصلتين الاولى الحكم الثنائي التركي المصري (1820–1885)، ثم فترة الحكم الثنائي الإنجليزي- المصري (1899–1956) حتي نال السودان إستقلاله.

المرحلة الاولى سميت بالتركية السابقة حيث أرسل محمد علي باشا حاكم مصر جيشاً جرارا بقيادة ابنه إسماعيل باشا في يوليو 1820 لغزو السودان وضمه إلى مصر . والأهداف العامة لهذا الغزو والتي درسناها في التاريخ ولاعتبارات سياسية سمي غزوا وهو في الواقع استعمارا حقيقيا كامل الدسم والهدف والدوافع هو البحث عن الذهب، وتجنيد المقاتلين واخذ العبيد وتصديرهم الى مصر لخدمة الشعب المصري، والسيطرة على طرق التجارة ومن المعروف أن السودان كان ملتقى طرق للتجارة العالمية عبر البر و البحر .

لم يتهنى محمد على بالحكم في السودان الذي كان حكما جائرا وظالما وقاسيا على الشعوب السودانية لانه اسس علي استغلال الموارد وتهميش السكان الاصليين ،حيث واجه ثورات واعتراضات واسعة بسبب الضرائب الباهظة، وتسلط الحكام وانتهى بسقوط الخرطوم وقيام الثورة المهدية عام 1885.

المرحلة الثانية من الاستعمار وهي فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري  حيث وقعت مصر وبريطانيا اتفاقية الحكم الثنائي في يناير 1899 لإعادة إستعمار السودان والقضاء على الدولة المهدية، وكانت السيطرة الفعلية للمصريين والقرار النافذ كان بيد الإدارة البريطانية استمر هذا الوضع حتى أُعُلن استقلال السودان في الأول من يناير عام 1956.

من الواضح ان هناك محاولة لتذييف الحقائق حيث وردت في البحوث والكتب التاريخية عبارات (فتح) او (غزو) السودان بدل كلمة إستعمار وارى أن الكلمة (غزو) غير دقيقة البتة و الشاهد من خلال المعطيات فإنه من الاصح أن نسمية “الاستعمار المصري” باعتبار أن الإدارة والنفوذ كانتا في يد المصريين وأن الممارسات الإدارية والعسكرية تمثلت في الهيمنة واستغلال موارد السودان واستمر هذا الوضع حتي يومنا هذا، حيث لم يكن السودان في ذلك الوقت شريكًا متكافئًا، بل ساحة نفوذ تُدار بما يخدم مصالح مصر خاصة فيما يتعلق بنهر النيل والأمن القومي المصري. وحتى عندما نال السودان إستقلاله، لم تُنتهَ هذه الوصاية فعليًا، بل انتقلت من الشكل الاستعماري إلى النفوذ السياسي والأمني غير المعلن.

اعتقد إن عدم استقرار السودان طيلة هذه الفترة واندلاع الحروب الطاحنة والصراعات وآخرها حرب15 ابريل التي اطلق شرارتها الاولى الجيش بدعم من الحكومة المصرية عبر الدعم العسكرى والنفوذ السياسي في المنطقة ليس قدرًا محتوما، بل نتيجة لتدخلات خارجية ممنهجة، ويأتي التدخل المصري على راسها وتمثل ذلك عبر دعم الحكم العسكـ ري وتقويض الفترة الانتقالية عقب سقوط نظام البشير حفاظًا على مصالح مصر الضيقة. ولا يمكن للسودان أن يستقر وينهض أو يبني دولة مدنية حديثة، الا عبر كسر هذا الإرث التاريخي البغيض، وان تُعاد صياغة علاقاته الخارجية بما يحفظ سيادته ومصلحة الشعب السوداني.

What do you feel about this?