إيهاب الأمين: جرائم نظام الكيزان في السودان .. حصاد الخراب الممنهج والمهازل التاريخية
إيهاب الأمين
لم يترك نظام الثلاثين من يونيو وراءه دولةً أكثر استقرارًا أو مؤسساتٍ أكثر قوة بل ترك سودانًا مثقلًا بالخراب ومؤسساتٍ منهكة واقتصادًا متهالكًا ومجتمعًا أنهكته الحروب والانقسامات وعلى مدى ثلاثة عقود تحوّل مشروع السيطرة على الدولة إلى عملية واسعة لإعادة تشكيلها وفق مصالح التنظيم حتى أصبح الولاء السياسي والعقائدي معيارًا للتعيين والترقي والتمكين بينما جرى إقصاء الكفاءات الوطنية وتفكيك كثير من مؤسسات الدولة التي بناها السودانيون عبر عقود ولم يكن هذا الخراب نتيجة أخطاء عابرة أو قرارات سيئة هنا وهناك وإنما كان حصيلة متراكمة لسياسات كرست التمكين وأضعفت مؤسسات الدولة ووسعت نفوذ التنظيم داخل الجيش والخدمة المدنية والاقتصاد والمجتمع حتى أصبح السودان يدفع ثمن تلك السياسات بعد سقوط النظام بسنوات.
وكان الجيش السوداني من أبرز ضحايا مشروع التمكين فقد جرى إضعاف المؤسسة العسكرية وإفراغها تدريجياً من تقاليدها المهنية لصالح بناء تشكيلات مسلحة موازية هدفها الأساسي حماية النظام وضمان بقائه وفي سبيل إحكام السيطرة على القوات المسلحة فُصل آلاف الضباط والجنود المؤهلين تحت لافتة ما سُمّي بـالصالح العام وأُحيل كثيرون إلى التقاعد والإقصاء بينما فُتح الباب أمام عناصر موالية للتنظيم لتتقدم داخل المؤسسة العسكرية فأصبح الانتماء السياسي والعقائدي في كثير من الأحيان طريقًا أقصر من الكفاءة والخبرةولم تسلم القطاعات الخدمية الحيوية من مشروع التمكين والخصخصة فقد جرى التعامل مع التعليم والصحة باعتبارهما مجالين للاستثمار والربح بدلًا من كونهما حقًّا أصيلًا للمواطن فتراجعت مجانية التعليم وتدهورت المؤسسات الصحية الحكومية وكانت المستشفيات في السودان قبيل إنقلاب الكيزان تعالج المواطنين مجاناً، واتسعت مساحة التعليم الخاص والعلاج الخاص حتى أصبح الحصول على خدمة أساسية مرهقاً مالياً لقطاعات واسعة من السودانيين وهكذا تراجعت قطاعات كانت الدولة السودانية تُفاخر بها وتحولت الخدمات العامة تدريجياً من حقوق مكفولة إلى سلع تُشترى بالقدرة على الدفع.
وفي الاقتصاد اتخذ الخراب شكلًا أكثر وضوحاً من خلال سياسات الخصخصة وبيع عددٍ من مؤسسات الدولة وأصولها بما فيها مؤسسات ومشروعات ارتبطت تاريخياً بالاقتصاد السوداني مثل مشروع الجزيرة والخطوط الجوية السودانية والسكة الحديد والموانئ كما تفشى الفساد ونهب المؤسسات بعد صارت كل إدارات الموسسة من عصابة الحزب الحاكم وعانت البلاد من سوء إدارة عائدات النفط والذهب وارتبطت تلك الحقبة بتدهور حاد في قيمة الجنيه السوداني واتساع رقعة الفقر والبطالة. وفي بلد كان يمكن لعائدات النفط أن تُستخدم لبناء اقتصاد منتج انتهت سنوات النفط إلى اقتصاد أكثر هشاشة وأقل قدرة على الصمود.
وعلى الصعيد الإنساني والسياسي ارتبط عهد الكيزان بحروب دامية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق خلّفت أعداداً هائلة من القتلى والنازحين واللاجئين وقد بلغت الانتهاكات في دارفور مستوى دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرات توقيف بحق الرئيس المخلوع عمر البشير وعدد من المسؤولين على خلفية ارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادات جماعية.
ولم تكن الحرب وحدها هي وسيلة إخضاع المجتمع فقد أنشأ النظام منظومة أمنية واسعة لقمع المعارضين واشتهرت بيوت الأشباح باعتبارها واحدة من أكثر رموز تلك الحقبة قسوة حيث تعرض معارضون وناشطون ونقابيون للاعتقال والتعذيب والانتهاكات كما واجه النظام احتجاجات شعبية عديدة بالقوة وسقط شهداء خلال انتفاضات واحتجاجات مختلفة وصولاً إلى هبة سبتمبر 2013 وثورة ديسمبر 2018 التي أنهت حكمه.
أما على المستوى الإقليمي والدولي فقد دفع النظام الكيزاني السودان إلى عزلة سياسية واقتصادية قاسية خصوصاً بسبب اتهامات أمريكية ودولية تتعلق بدعم الإرهاب واستضافة جماعات متطرفة وتورط النظام في ملفات إقليمية شديدة الحساسية وانتهى الأمر بإدراج السودان لسنوات طويلة على قائمة الدول الراعية للإرهاب وما ترتب على ذلك من عقوبات وعزلة أضرت بالاقتصاد السوداني وزادت من معاناة المواطن.
لكن المفارقة الأكبر في تجربة الحكم الكيزاني المستبد أن النظام الذي رفع شعارات المشروع الحضاري انتهى إلى ترك دولة أكثر هشاشة ومجتمع أكثر انقساماً واقتصاد أكثر ضعفًا ومؤسسات أقل قدرة على أداء وظائفها والأسوأ من ذلك أن كثيراُ من آثار تلك الحقبة لم تنتهِ بسقوط النظام بل ظلت حاضرة داخل مؤسسات الدولة وفي الاقتصاد والسياسة والمجتمع.
لقد كانت ثلاثون عاماً كافية لتكشف أن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس أن يحكمها نظام فاشل فحسب بل أن تتحول الدولة نفسها إلى مشروع حزبي وتصبح مؤسساتها أدوات لحماية السلطة ويُكافأ الولاء بدلًا من الكفاءة ويُقصى الوطن لحساب التنظيم وهنا تكمن حصيلة حكم الكيزان إذ لم تكن مجرد ثلاثين سنة من الحكم بل ثلاثين سنة من إعادة هندسة الدولة على مقاس السلطة ثم تركها تواجه وحدها فاتورة الخراب.
