الباشا طبيق: هل كانت مصر والسعودية على علم ببرنامج تطوير الأسلحة الكيميائية للجيش السوداني؟ ومن موّل ووفّر له مستلزمات هذا البرنامج؟
الباشا طبيق
بعد التقرير الخطير الذي نشرته نيويورك تايمز في 5 سبتمبر 2026، لم يعد ملف استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية مجرد اتهامات متبادلة، بل أصبح أمام المجتمع الدولي ملفاً يستند إلى صور وفيديوهات ووثائق ورسائل واعتراضات اتصالات، ضمن ملف استخباراتي ضخم يضم نحو 150 وثيقة وصورة وفيديو ومذكرات صوتية وآلاف الرسائل النصية.
التقرير يكشف تفاصيل برنامج سري للجيش السوداني لتطوير وإنتاج ذخائر محملة بغاز الكلور خلال عام 2024، بما في ذلك تصميم القنابل واختبارها في الصحراء وإنتاج مئات الذخائر، واستخدام بعضها في هجمات ضد المدنيين في مناطق سيطرة حكومة السلام الانتقالية (تأسيس). كما تشير الوثائق إلى أن العميد طارق حسين أشرف على البرنامج، وأن إحدى الاختبارات نُفذت بواسطة طائرة أنتونوف، بينما تحدثت الرسائل عن استخدام ذخائر كلورية في محيط مصفاة الجيلي.
والأخطر أن التقرير يشير إلى أن جزءاً من الكلور المستخدم في تصنيع هذه الذخائر جاء من أسطوانات تم استيرادها من مصر في أغسطس 2024، وأن جزءاً آخر تم الحصول عليه من محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان، وهي منشأة كانت تتلقى إمدادات من الكلور لأغراض إنسانية وصحية.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب ألا يتهرب منه أحد:
هل كانت مصر تعلم أن بعض شحنات الكلور التي وصلت إلى السودان ستُستخدم في تصنيع أسلحة كيميائية؟
وهل كانت هناك أي مساعدة مالية أو فنية أو لوجستية أو استخباراتية من مصر أو السعودية أو أي دولة أخرى مكّنت المؤسسة العسكرية السودانية من تطوير هذا البرنامج؟
حتى الآن، لا يقدم تقرير نيويورك تايمز دليلاً يثبت تورط الحكومة المصرية أو السعودية في تمويل أو تطوير البرنامج الكيميائي، ولذلك فإن هذا الأمر يجب أن يكون موضوع تحقيق دولي مستقلاً، وليس مجرد استنتاج سياسي.
لكن وجود أسطوانات كلور مستوردة من مصر ضمن المواد التي قال التقرير إن البرنامج العسكري استخدمها يجعل من الضروري طرح السؤال والتحقيق في مسار التوريد والجهات المستفيدة والغرض المعلن من الاستيراد ومن كان يعلم باستخدامه النهائي.
أما إذا ثبت أن أي دولة أو جهة قدمت دعماً للبرنامج وهي تعلم أنه سيُستخدم في تصنيع أسلحة كيميائية، فإن المسألة لن تكون مجرد دعم سياسي أو عسكري لطرف في الحرب، بل قد تتحول إلى قضية دولية بالغة الخطورة تتعلق بالمساعدة في تطوير واستخدام أسلحة محظورة دولياً.
والأخطر من ذلك أن استمرار التستر على هذا الملف يفتح الباب أمام انتشار تقنيات ومواد الحرب الكيميائية إلى جهات أخرى، خصوصاً في ظل وجود جماعات مسلحة ذات ارتباطات أيديولوجية وتنظيمية عابرة للحدود.
لذلك، فإن المطلوب الآن ليس بيانات النفي والإدانة المتبادلة، وإنما تحقيق دولي مستقل وشفاف:
- تشكيل آلية تحقيق دولية للتحقق من برنامج الأسلحة الكيميائية في السودان.
- تمكين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) من الوصول إلى المواقع والوثائق والعينات ذات الصلة، والتحقق من طبيعة المواد والذخائر المستخدمة.
- التحقيق في مصادر الكلور والمواد الكيميائية التي دخلت السودان خلال فترة البرنامج، بما في ذلك الشحنات القادمة من مصر.
- تحديد المسؤولين عن التصميم والتصنيع والاختبار والاستخدام، ومن أصدر الأوامر ومن وفر التمويل والمواد والدعم اللوجستي.
- والتحقيق، بصورة مستقلة، في أي دور محتمل لأي دولة إقليمية أو جهة خارجية في تمويل أو تسهيل هذا البرنامج.
السلاح الكيميائي ليس ملفاً سودانياً داخلياً؛ لأنه عندما تُستخدم الأسلحة المحرمة دولياً في حرب، فإن الخطر يتجاوز حدود السودان إلى أمن المنطقة والعالم.
وإذا كانت هناك دول شاركت أو ساعدت أو علمت بهذا البرنامج، فإن الحقيقة يجب أن تظهر كاملة، مهما كان اسم الدولة أو الجهة.
لا حصانة سياسية أمام الأسلحة الكيميائية، ولا يجوز أن تتحول الجريمة إلى ملف قابل للمساومة.
المطلوب الآن: الحقيقة، التحقيق، تحديد المسؤولية، والمحاسبة.
