ميرغني أبشر: البرهان يعيد ترتيب الجيش .. طمأنة لتسوية منفردة أم ضبط لنفوذ الكتائب؟
ميرغني أبشر
الضجيج الشعبوي الذي رافق التغييرات الأخيرة في قيادة المؤسسة العسكرية لحكومة الأمر الواقع في بورتسودان، انصرف إلى قراءة الحدث عبر عدسة جهوية ، تنظر للجيش امتيازاّ تاريخياً لنفوذ شمالي ، أو بوصفه بنية جرى توجيهها أيديولوجياً لصالح الإسلام السياسي المصنَّف. تلك المقاربة، رغم حضورها الكثيف، بدت أقرب إلى الانشغال بالعرض الخارجي للواقعة من التوغّل في دوافعها ، إذ تركت السؤال المركزي معلقاً دون نقاش مستفيض وهو النقاش الذي يحاول إنجازه هذا المقال بالإجابة على هذا السؤال : ما الذي أراده البرهان فعلياً من خلال هذه التغييرات، ولماذا اختار هذه اللحظة تحديداً لتنفيذها؟
الخطاب الذي خرج به القائد العام للقوات المسلحة لاحقاً، دفاعاً عن قرار تعيين الفريق ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان، مؤكداً أن الاختيار استند إلى استحقاق مهني صرف بعيد عن أي اعتبارات قبلية، جاء استجابةً لضغط التأويلات الشعبوية المتسارعة التي اشرنا إليها في فاتحة المقال والتي سبقت التوضيح الرسمي. غير أن جوهر المسألة لا يكمن في سجال الانتماءات أو نفيها، إذ تشير طبيعة التعديلات نفسها إلى ما يتجاوز الإحالات العسكرية الدورية المعتادة، نحو إعادة ترتيب أعمق لبنية القرار داخل المؤسسة العسكرية في لحظة سياسية بالغة الحساسية.
في مطلع مارس المنصرم خرج الفريق ياسر العطا، المعروف بقربه من تيار الإسلام السياسي المصنَّف، بتصريح بالغ الدلالة أعلن فيه أن المرحلة القادمة ستشهد دمج القوات المساندة داخل المؤسسات النظامية: القوات المسلحة، الشرطة، وجهاز المخابرات العامة. الإعلان لم يكن تقنياً، وإنما سياسياً بامتياز، إذ شمل جميع التشكيلات التي قاتلت إلى جانب الجيش دون استثناء: القوات المشتركة، درع السودان، كتائب البراء، وكتائب الثوار والمقاومة الشعبية، مع تأكيد صريح أن التنفيذ سيكون فورياً عبر آليات تُفعَّل قريباً.
ضمن هذا السياق يصبح تعيين العطا مفهوماً باعتباره خطوة تنفيذية عاجلة لإنفاذ مشروع الدمج، وهي عملية تحتاج إلى شخصية تحظى بثقة الإسلاميين، الذين أظهروا تحفظاً واضحاً تجاه الفريق شمس الدين الكباشي بعد محاولاته فتح قنوات تفاهم سياسي خارج دائرتهم، وهي تحركات جرى إيقافها مبكراً، كما حدث في اتفاق المنامة الذي اقترب من التوقيع قبل أن يُفرمل في اللحظة الأخيرة. الأمر ذاته انسحب على إبراهيم جابر، الذي جرى تصنيفه جهوياً رغم التزامه بخطهم السياسي، في مؤشر يكشف حساسية التنظيم تجاه أي مركز قوة لا يخضع لطمأنته الكاملة.
المعالجة التي طرحها العطا علناً، وصاغتها عقول التنظيم المصنَّف في الخفاء، اكتسبت إلحاحاً إضافياً بعد تصنيف الجماعة تنظيماً إرهابياً من قبل الإدارة الأمريكية مؤخراً. هنا يبرز هدف مزدوج: التحرر من عبء المسميات المرصودة دولياً عبر الذوبان داخل مؤسسات الدولة النظامية، والتحصين ما أمكن من أي ملاحقات مستقبلية محتملة.
هذه الخطوة تحقق مكسبين متوازيين. الأول يخدم الإسلام السياسي المصنَّف عبر ضمان حضور عسكري مؤثر داخل مؤسسات رسمية قادرة على تعطيل أو إجهاض أي انتقال مدني لا يمنحه موقع اصيل في السلطة. أما المكسب الثاني فيصب في مصلحة البرهان نفسه، إذ يتيح له تقديم إشارات طمأنة لحلفائه الإقليميين — مصر والسعودية وتركيا — حول قدرته على ضبط نفوذ الإسلاميين والتحكم في امتداداتهم العسكرية داخل الدولة.
ومن زاوية أخرى، فإن وجود العطا على رأس هيئة الأركان يمنح البرهان هامش حركة أوسع للمضي في أي تسوية سياسية محتملة مع قوات الدعم السريع دون خشية تمرّد داخلي من عناصر التنظيم، خاصة بعد سوابق أظهرت قدرة تلك العناصر على إفشال تفاهمات ميدانية، كما حدث في الهجوم على مطار نيالا الذي نُظر إليه باعتباره محاولة لتقويض تفاهم غير معلن يقضي بوقف استهداف المطارات بين الطرفين.
عند هذه النقطة تحديداً يمكن قراءة التغييرات العسكرية بوصفها مؤشراً تمهيدياً لتسوية سياسية تلوح في الأفق، وهو انطباع تعززه التصريحات الإيجابية التي أدلى بها المبعوث الأممي للأمين العام للأمم المتحدة، الفنلندي بيكا هافيستو، عقب لقائه بقيادات طرفي الصراع. تسوية تبدو أقرب إلى تلبية حسابات الشركاء الإقليميين للبرهان، مع احتمال أن تفتح في الوقت ذاته هامشاً محدوداً للقوى السياسية لاستعادة الفضاء الداخلي للعمل العام.
ذلك الهامش، مهما بدا ضيقاً، يمثل الحد الأدنى الضروري لبدء جولة نضالية جديدة داخل البلاد، جولة تعيد طرح سؤال السلطة خارج قبضة العسكر المؤدلجين الذين أحكموا قبضتهم على مفاصل الدولة. غير أن واجب اللحظة الراهنة يظل أكثر إلحاحاً ووضوحاً للقوى السياسية الديمقراطية التي يجتهد الإسلاميون في اقصائها وهو: وقف الحرب أولاً، وإنهاء المعاناة اليومية التي يدفع ثمنها المواطن السوداني وحده، في الوقت الذي تتصارع فيه مشاريع المكاسب والتسويات فوق أنقاض حياته.
