سعد الدين الماحي: هلاك قيادات مليشيا البراء في التكمة .. المعارك تسهم في هيكلة الجيش المسيس
سعد الدين الماحي
مما يثلج الصدر أن تجزي العدالة كل بما عمل، وأن يرى الضحايا والمظلومين هذه العدالة وهي تتحقق. وبالتأكيد ليس ثمة ما يشفي الصدور أكثر من رؤية القاتل وهو يقتل قصاصاً جزاء بما سفك من دماء الأبرياء عدواناً وظلما.
وها هي مليشيا البراء الإخوانية، والتي أهدر العالم دمها بعد تصنيفها كمنظمة إرهابية لم يُعرف لمثيلاتها دواء سوى الإجتثاث، تهلك قياداتها الميدانية في معركة التكمة المباركة، في ولاية جنوب كردفان. تنفذ الشرعية الدولية، للقتلة في تلك البقاع، وتقول كلمتها فيهم، وتوقع فيهم القصاص العادل، فسبحان من حرم الظلم على نفسه، وجعله محرماً بين الناس.
وقُتل عارف عبد الله، الملقب بـ”أبو تامر”، برفقة 21 من قيادات الصف الثاني للمليشيا المصنفة كجماعة إرهابية أمس الأول (الثلاثاء)، في خسارة وصفها مراقبون بأنها الأكبر التي تتعرض لها الكتائب الإسلامية خلال الفترة الأخيرة.
و(أبو تامر) هو قائد العمليات العسكرية لمليشيا (البراء)، والقائد الميداني الفعلي لجميع المليشيات المرتبطة بالحركة الإسلامية التي تقاتل إلى جانب الجيش، قُتل في معركة التكمة، في محيط مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، أثناء مواجهة مع مجموعة من قوات الدعم السريع، وذلك عندما كان يقود متحركاً عسكرياً يحمل اسم (مسك الختام)، يضم مختلف الكتائب الإسلامية والجهادية المشاركة في القتال إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع.
وبينما البرهان يصارع طواحين الهواء في بحثه نحو شرعية أحرق من أجلها يابس السودان وأخضره، يرد الإخوان على هلاك قياداتهم الميدانية بمجزرة بحق المدنيين في كتم! أرواح بريئة لأطفال ونساء لا ذنب لهم سوى أن (الجيش) هو أداة لإخوان الشياطين، يتلقى تعليماته من سواقط المجتمع ويتغذى على خطاب الكراهية النتن، فيعمد لقصف المدارس والأسواق والتجمعات البشرية ولو كانت لعزاء أو عقد قران.
ومن الواضح أن من يستهدف الأحياء السكنية والمدنيين في الأسواق والمدارس والمستشفيات ومصادر المياه بالمسيرات وهو منها علي مسافة مئات الكيلومترات، لا يبحث عن نصر عسكري، بل هو يعمد لارتكاب جرائم لا يسهل التنصل منها أو نسيانها أو التغاضي عنها، فلماذا يصر الإخوان على قتل المدنيين في كردفان ودارفور؟
يريد الإخوان فصل كامل إقليمي دارفور وكردفان مع (عشم) في جزء من شمال كرفان – إن تركها لهم الدعم السريع، وإن أصر عليها فلا حاجة لهم بها، ويكفيهم أن يحكموا ما تبقوا من ولايات. وهم مع ذلك (أجبن) من إعلان ذلك صراحة، ولذا تجدهم يقصفون المدنيين كيما يطالب الناس في غرب السودان وجنوبه الجديد بالانفصال، مثلما دفعوا الملايين من الجنوبيين للتصويت لصالح الاستقلال بأكثر الطرق رخصاً وخسة.
الإخوان اليوم يريدون انتزاع مطالبة بالانفصال من ضحايا مجازرهم، مستفيدين من واقع الانقسام الإداري الحالي، كدفع باتجاه التقسيم الفعلي، وبموازاة حملة عنصرية نتنة سممت وسائط التواصل، وعمقت الانقسام بين السودانيين على أسس إثنية متخلفة، بالتزامن مع حملات إزالة أحياء سكنية (مستهدفة) في العاصمة والولايات، تسكنها إثنيات غرب السودان وجنوبه الجديد، بعد أن أعملوا فيهم الاعتقالات والإخفاء القسري والاختطاف.
وكان ثالثة الأثافي مطالبات (مصنوعة) بطرد النازحين في خطاب عنصري استعلائي ببغيض، تحتفي بها شاشات تلفزيون مقرب للدولة وتذيعها على الملأ ودون ذرة حياء، وكل هذا يصب في اتجاه (أثننة) الدولة بعد فشل مشروع (الأسلمة القسرية)، ولو عادوا بالسودانيين في مناطق سيطرتهم لعهود الكهوف والخيام.
أما بعد التقسيم – إن نجح الإخوان في إنفاذه – فليس سوى تقسيم جديد (حتمي)، ولسبب بسيط هو أن (ماعون) الإخوان الضيق لا يتسع للسودان كبلد متعدد الأجناس والأديان والأعراق، وبتركيبة سكانية معقدة حتى بعد انفصال الجنوب الذي ظنوه انتهاء لعهد (الدغمسة)، ليتفاجأوا بأن هناك (دغمسة) أخرى أيضاً في نصف القطر الشمالي، فهم يحاولون إعادة تقسيمه اتقاءً لشرها. وعليه فليس من العسير استنتاج حقيقة أن مناطق وسط السودان وشماله وشرقه، لا تزال تحوي قدراً لا يستهان به من (الدغمسة)، والتي تستوجب – بالضرورة – تقسيماً آخر.
الإخوان ماضون باتجاه الزوال بعد تصنيفهم كمنظمة إرهابية وإن طال الزمن، فهم ليسوا بأكثر عدة وعتاداً من (داعش) التي سيطرت في عام (2014) على نحو 40% من مساحة العراق، وكانت على بعد 25 كيلومتراً من حدود بغداد. ولا هم أكثر علاقات خارجية وجهات داعمة من جماعة (العشرية السوداء) الإرهابية في الجزائر.
قد يتمكن الإخوان من قتل المزيد من الأبرياء حتى حين، لكن الحقيقة الثابتة أن اجتثاث الإخوان في السودان صار شأناً دولياً منحازاً لإرادة السودانيين، إنصافاً للملايين من ضحايا التنظيم المجرم.
